قضايا و آراء

سبتة: عندما تتحول إدارة الحدود إلى اختبار للحقوق والإنسانية

بقلم مشرف1 مشاهدة3 د للقراءة
سبتة: عندما تتحول إدارة الحدود إلى اختبار للحقوق والإنسانية
إعلان

في مدينة يبلغ عدد سكانها نحو ثمانين ألف نسمة، وصل عشرات الآلاف خلال أقل من 48 ساعة. أعداد رسمية تتحدث عن عودة عشرات الآلاف طواعية، وأخرى تشير إلى بقاء آلاف في الشوارع، بينهم مئات الأطفال. لكن الأرقام، مهما كانت دقيقة، لا تقول كل شيء. ما لا تقوله الأرقام هو كيف تُدار الأزمة على الأرض: من يُطعم، من يُؤوي، ومن يُترك في العراء.

لم تعد سبتة مجرد نقطة حدودية إسبانية في شمال أفريقيا. ما جرى فيها خلال الأشهر الماضية، وما لا تزال تداعياته مستمرة، يحوّل المدينة إلى مختبر قاسٍ لسؤال أوروبي عام: إلى أي حد يمكن لدولة أن تُدير الهجرة بإجراءات ردع، دون أن تتحول هذه الإجراءات نفسها إلى انتهاك للحقوق الأساسية لمن وصلوا إلى أراضيها؟

المحامية باتريثيا فرنانديز، منسقة «كوردينادورا دي باريوس»، لم تكتفِ بالحديث عن نقص الإيواء والغذاء. في تصريحاتها، ذهبت إلى ما هو أبعد: الحديث عن استخدام الجوع كأداة، وعن شهادات تتعلق بسوء المعاملة، وعن إدارة أزمة إنسانية بمنطق الردع لا بمنطق الحماية . هذه ليست اتهامات هامشية. هي تصدر عن شخصية قانونية تعمل داخل المنظومة، لا عن ناشط في موقع تصادمي.

إعلان

المشكلة أن السياق الذي جرى فيه كل هذا كان، في جزء منه على الأقل، سياقاً قضائياً. قرار للمحكمة العليا الإسبانية منع الترحيل الفوري لمن يُعترضون في البحر دون إجراءات قانونية منتظمة. قرار كهذا، في دولة تحترم القانون، كان يفترض أن يُقرأ كضمانة إجرائية. لكنه تحول، عبر شبكات التواصل، إلى رسالة مبسطة: «الحدود مفتوحة». ووجد آلاف الشباب أنفسهم في سبتة، لا لأنهم قرروا الهجرة في تلك اللحظة، بل لأنهم صدّقوا تفسيراً خاطئاً لقرار قانوني .

هنا يظهر خلل مزدوج. الأول في التواصل: دولة لا تستطيع أن تشرح قراراتها القضائية لجمهور شبابي متصل بالشبكات، تترك الفراغ يملؤه المهرّبون والشائعات. والثاني في الاستجابة: عندما وصل الناس، لم تكن هناك خطة إيواء جاهزة. تقارير تتحدث عن آلاف في الشوارع، عن أطفال ينامون على الأرصفة، عن مراكز استقبال تجاوزت طاقتها منذ اليوم الأول . ثم جاءت عمليات النقل إلى مراكز مؤقتة، وبعض الشهادات تتحدث عن مشاهد لا تليق بمدينة أوروبية: مسيرات طويلة، أشخاص يسيرون حفاة، ودفعات من الشرطة .

هذا لا يعني أن إسبانيا كانت أمام خيار سهل. المغرب، من جانبه، لم يقدم تسهيلات لعودة من لا يحملون وثائق، خصوصاً القُصّر، كما تشير فرنانديز نفسها . وإسبانيا لا تستطيع أن تستوعب عشرات الآلاف في جيب صغير، ولا أن تتركهم ينتقلون إلى البر الرئيسي دون إجراءات. لكن الفارق بين إدارة أزمة صعبة وإدارة أزمة قاسية هو الفارق بين دولة تحتفظ بحدودها القانونية والأخلاقية، ودولة تتنازل عنهما تحت ضغط اللحظة.

السؤال الأعمق يتعلق بأوروبا نفسها. سبتة ليست حالة معزولة. هي الحدود البرية الوحيدة للاتحاد الأوروبي مع أفريقيا. وما يحدث فيها يختبر مدى جدية أوروبا في الحديث عن «سياسة هجرة إنسانية». عندما تُترك مدينة إسبانية تواجه وحدها تدفقاً بهذا الحجم، ثم عندما تُطالب دول أعضاء بتعليق «شنغن» مع إسبانيا، فإن الرسالة التي تصل إلى مدريد ليست التضامن، بل الحساب . والرسالة التي تصل إلى المهاجرين ليست الردع، بل اليأس.

في سبتة، لا يوجد حل سحري. لكن يوجد حد أدنى: ألا يُستخدم الجوع كأداة، وألا يُترك طفل في الشارع، وألا يُعامَل إنسان بطريقة تجعله يفضّل المخاطرة بحياته على البقاء. هذه ليست مطالب سياسية. هي الحد الأدنى الذي يفصل بين دولة القانون ودولة الطوارئ الدائمة. وإذا كانت أوروبا غير قادرة على ضمان هذا الحد الأدنى في مدينة واحدة، فمن الصعب أن تُقنع أحداً بأنها قادرة على إدارة حدودها بقيمها.

إعلان

اترك تعليقاً