كشف تقرير صادر عن المركز الوطني للهجرة والحدود التابع للشرطة الوطنية الإسبانية عن محادثات بين مهاجرين ناقشوا خلالها التوجه نحو إيطاليا وفرنسا، باعتبارهما بديلين عن مساري سبتة ومليلية، في ظل تشديد المراقبة الأمنية على الحدود. كما رصد التقرير تحركات رقمية سبقت محاولة الدخول الجماعي إلى سبتة خلال يوليو الماضي، وهي وقائع تخضع لتحقيق قضائي في إسبانيا.
محادثات تدعو إلى البحث عن طرق جديدة
أفادت صحيفة «لا راثون» الإسبانية، في تقرير نشرته يوم 28 أكتوبر 2026، بأن المركز الوطني للهجرة والحدود (CENIF) التابع للشرطة الوطنية رصد محادثات داخل مجموعات تواصل رقمية، أظهرت نقاشات بين مهاجرين بشأن تغيير وجهة محاولات الوصول غير النظامي إلى الأراضي الأوروبية.
وبحسب التقرير، فإن هذه المحادثات جاءت في سياق تشديد الإجراءات الأمنية عند المعابر الحدودية بين المغرب وإسبانيا، ولا سيما في محيط مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، الأمر الذي دفع بعض المشاركين إلى اقتراح البحث عن مسارات بديلة نحو دول أوروبية أخرى.
ومن بين الرسائل التي أوردها التحقيق الأمني عبارة تدعو إلى عدم التركيز على سبتة ومليلية بسبب الإجراءات الأمنية المشددة، والبحث بدلاً من ذلك عن طرق للوصول إلى بلدان أخرى.
كما تضمنت المحادثات اقتراحات باستخدام قوارب صغيرة للوصول إلى إيطاليا أو فرنسا، في مؤشر على أن بعض المشاركين كانوا يناقشون خيارات مختلفة لمواصلة رحلتهم نحو أوروبا.
وتشير المعطيات التي نقلتها الصحيفة إلى أن عدداً من أرقام الهواتف المستخدمة في هذه المحادثات يحمل مفتاح الاتصال الدولي المغربي، غير أن هذه المعطيات، في حد ذاتها، لا تكفي لتحديد جنسيات جميع المشاركين أو طبيعة الأدوار التي اضطلعوا بها.
ما الذي حدث في سبتة خلال يوليو الماضي؟
يرتبط التقرير بمحاولة الدخول الجماعي إلى مدينة سبتة خلال شهر يوليو الماضي، وهي الأحداث التي أعادت ملف الهجرة غير النظامية إلى الواجهة، ودفعت الأجهزة الأمنية الإسبانية إلى التحقيق في ظروف الدعوات التي سبقتها وكيفية تنظيمها وانتشارها عبر شبكات التواصل.
ووفقاً لما أوردته «لا راثون»، فإن التقرير الأمني، المؤلف من 61 صفحة، أُحيل إلى القاضية ماريا تاردون، التابعة للمحكمة الوطنية الإسبانية، في إطار التحقيق القضائي الجاري بشأن تلك الوقائع.
ويعرض التقرير محادثات تبادل خلالها المشاركون معلومات حول كيفية الوصول إلى المدينة، فضلاً عن أفكار تتعلق بتفادي إعادتهم إلى المغرب بعد الدخول إلى سبتة.
وتنقل الصحيفة رسائل تتحدث عن الاختباء داخل المدينة أو في أماكن يصعب العثور فيها على الأشخاص المعنيين، إلى جانب نصائح تدعو إلى الادعاء بوجود مشكلات سياسية تمنع العودة إلى المغرب.
وتكشف هذه الرسائل، وفق قراءة المحققين، عن حالة من الترقب والقلق لدى بعض المشاركين بشأن مصيرهم بعد محاولة العبور، في وقت كانت فيه السلطات الإسبانية تستعد للتعامل مع تدفق كبير للأشخاص على الحدود.
ومع ذلك، فإن ورود هذه الرسائل في تقرير أمني لا يعني بالضرورة أن جميع الأشخاص الذين شاركوا في المحادثات نفذوا ما ورد فيها، كما لا يثبت وحده أن كل المشاركين كانوا جزءاً من تنظيم واحد.
19 مجموعة على «واتساب» تحت مجهر الشرطة
من أبرز المعطيات التي يتضمنها التقرير، بحسب الصحيفة الإسبانية، رصد شبكة تضم 19 مجموعة على تطبيق «واتساب»، استُخدمت لتبادل المعلومات وتعميم الدعوات المرتبطة بمحاولة الدخول إلى سبتة.
ويرى المحققون أن الدعوة لم تكن، وفق المعطيات التي جمعوها، مجرد تحرك عفوي، بل سبقتها عملية تواصل رقمي ساهمت في نشر المعلومات وتوسيع نطاق المشاركة.
ويصف التقرير البنية التي رُصدت بأنها أفقية وهرمية في الوقت نفسه، مع وجود مستويات مختلفة من التواصل والتنسيق بين المشاركين.
ويحاول المحققون، من خلال تحليل الرسائل والصور ومقاطع الفيديو، إعادة بناء التسلسل الزمني للأحداث، وتحديد طبيعة الأدوار التي اضطلع بها الأشخاص الذين ساهموا في نشر الدعوات أو توجيه المشاركين على الأرض.
وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة في التحقيق، لأنها تتيح للسلطات فحص العلاقة بين التعبئة عبر الإنترنت والتحركات الميدانية التي شهدتها المنطقة الحدودية.
لكن تحديد المسؤوليات الجنائية يظل من اختصاص القضاء، الذي يتعين عليه تقييم الأدلة والتحقق من مدى ارتباط كل شخص بالوقائع موضوع التحقيق.
تحرك أمني أحبط دعوة جديدة في أغسطس
ويشير التقرير أيضاً إلى أن الأجهزة الأمنية تمكنت، وفق الرواية التي أوردتها الصحيفة، من إحباط دعوة جديدة لمحاولة اقتحام الحدود، كان من المقرر تنفيذها يوم 15 أغسطس الماضي.
وبحسب المعطيات المنشورة، تركزت التحركات المرتبطة بهذه الدعوة في المناطق الجبلية القريبة من السياج الحدودي المحيط بسبتة.
كما لاحظ المحققون، وفق التقرير، اختلافاً في طبيعة الأشخاص الذين كانوا يستعدون للمشاركة مقارنة بالمحاولة السابقة.
فبعد أن غلب على المحاولة الأولى، بحسب وصف التقرير، حضور شبان مغاربة حاولوا الوصول إلى المدينة سباحة، أظهرت التحركات اللاحقة مشاركة رجال من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، تصل أعمارهم إلى نحو 35 عاماً.
ويعكس هذا التغير، وفق المعطيات الأمنية، تنوع الفئات التي قد تنخرط في محاولات العبور، واختلاف الظروف والمسارات التي يسلكها المهاجرون للوصول إلى الحدود الإسبانية.
غير أن هذه الأوصاف لا تعني أن جميع المغاربة أو المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء شاركوا في تلك التحركات، إذ تتعلق المعلومات الواردة بأشخاص وتحركات محددة تناولها التقرير.
تحذيرات مسبقة من خطر انهيار القدرة على الاستجابة
ويعود التقرير إلى التحذيرات التي أطلقها المركز الوطني للهجرة والحدود في 29 يوليو، حين نبّه، بحسب ما نقلته الصحيفة، إلى وجود خطر بالغ لحدوث ضغط كبير على قدرة السلطات في سبتة على الاستجابة أمام احتمال دخول أعداد كبيرة من المهاجرين في وقت قصير.
وتكشف هذه التحذيرات عن حجم التحديات التي تواجهها السلطات الإسبانية عند التعامل مع تحركات جماعية مفاجئة في المناطق الحدودية، خاصة عندما تتزامن مع انتشار دعوات عبر منصات التواصل الاجتماعي.
كما يسلط التقرير الضوء على الصعوبات التي تواجه الأجهزة الأمنية في التمييز بين التحركات الفردية والتعبئة المنظمة، وفي تحديد الأشخاص الذين يقفون وراء الدعوات الرقمية أو يساهمون في توجيه المشاركين ميدانياً.
ويظل تقييم مدى نجاح الإجراءات الأمنية في منع المحاولات اللاحقة مرتبطاً بنتائج التحقيقات، وبما ستكشف عنه الأدلة بشأن طبيعة التنسيق الذي سبق تلك الأحداث.
اتهامات بشأن دور محتمل لعناصر مغربية
ومن أكثر جوانب التقرير حساسية ما يتعلق بالاشتباه في وجود أشخاص وصفهم المحققون بأنهم عناصر محركة على الأرض، قالوا إنهم ظهروا في بعض الصور ومقاطع الفيديو التي جرى تحليلها خلال التحقيق.
وبحسب ما أوردته «لا راثون»، يعتقد المحققون أن بعض هؤلاء الأشخاص كانوا يقدمون تعليمات للمهاجرين أثناء التحركات، وهو ما دفع التحقيق إلى النظر في احتمال وجود دور لجهات أمنية مغربية في تنظيم تلك الأحداث أو توجيهها.
وتشير الصحيفة إلى أن استنتاجات التقرير تذهب إلى الاشتباه في مسؤولية أجهزة الأمن المغربية عن التخطيط أو التوجيه الفكري للعملية، غير أن هذا الطرح يظل استنتاجاً منسوباً إلى المحققين، ولا ينبغي التعامل معه باعتباره حقيقة قضائية نهائية ما لم تؤكده الأدلة والأحكام الصادرة عن الجهات المختصة.
كما لا يتضمن النص المنشور ما يكفي للجزم بأن جميع الوقائع التي رصدتها الشرطة تثبت وجود توجيه رسمي مباشر، أو لتحديد المسؤولية الفردية لكل شخص ورد اسمه أو ظهرت صورته ضمن مواد التحقيق.
وتبقى هذه النقطة من الملفات التي تستدعي تدقيقاً قضائياً دقيقاً، بالنظر إلى حساسيتها السياسية والأمنية وانعكاساتها المحتملة على العلاقات بين مدريد والرباط.
الهجرة بين تشديد الحدود والبحث عن مسارات بديلة
تعيد هذه القضية طرح سؤال أوسع بشأن تأثير تشديد المراقبة الحدودية في مسارات الهجرة نحو أوروبا. فإغلاق طريق أو زيادة الإجراءات الأمنية عند معبر معين قد يدفع بعض المهاجرين إلى البحث عن وجهات وطرق أخرى، سواء عبر البر أو البحر، من دون أن يعني ذلك بالضرورة توقف محاولات الوصول إلى أوروبا.
وفي هذا السياق، تُظهر المحادثات التي نقلها التقرير أن إيطاليا وفرنسا طُرحتا كوجهتين بديلتين في النقاشات التي رصدتها الشرطة الإسبانية.
غير أن الانتقال إلى مسارات بحرية جديدة قد يرفع مستوى المخاطر التي يتعرض لها المهاجرون، ولا سيما عند استخدام قوارب صغيرة لا تتناسب مع ظروف الرحلات الطويلة أو تقلبات الطقس.
وتبرز القضية كذلك الدور المتزايد لمنصات التواصل في تداول المعلومات المتعلقة بالهجرة، إذ يمكن لهذه المنصات أن تساهم في نشر الأخبار والتحذيرات بسرعة، لكنها قد تُستخدم أيضاً لتعميم معلومات غير دقيقة أو لتنسيق تحركات تعرض المشاركين للخطر.
وبالنسبة إلى إسبانيا، تظل سبتة ومليلية من أكثر النقاط حساسية في تدبير ملف الهجرة، بسبب موقعهما الجغرافي وصلتهما المباشرة بالحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.
أما بالنسبة إلى المهاجرين، فإن البحث عن طريق بديل لا يلغي المخاطر القانونية والإنسانية المرتبطة بالعبور غير النظامي، كما لا يضمن الوصول إلى الوجهة المنشودة.
التحقيق القضائي لم يحسم جميع الأسئلة
في المحصلة، يقدم التقرير الأمني، كما عرضته الصحيفة الإسبانية، صورة عن شبكة من المحادثات الرقمية والتحركات الميدانية التي سبقت محاولات الدخول الجماعي إلى سبتة خلال الصيف الماضي، ويشير إلى أن الشرطة تمكنت من جمع معطيات استخدمتها في التحقيق بشأن كيفية انتشار الدعوات واحتمال وجود تنسيق بين بعض المشاركين.
كما يكشف عن نقاشات بشأن التوجه إلى إيطاليا وفرنسا بدلاً من سبتة ومليلية، في ظل تشديد المراقبة على المعابر الحدودية.
لكن عدداً من الأسئلة يظل مرتبطاً بما ستتوصل إليه التحقيقات القضائية، ولا سيما ما يتعلق بالجهات التي تقف وراء الدعوات، وطبيعة التنسيق المزعوم، ومدى ثبوت الادعاءات المتعلقة بوجود توجيه ميداني من جهات خارجية.
وبينما تسعى السلطات الإسبانية إلى تحديد المسؤوليات المرتبطة بالأحداث، تظل القضية مؤشراً على تعقيد ملف الهجرة، حيث تتداخل العوامل الأمنية والرقمية والإنسانية والدبلوماسية، في وقت يواصل فيه بعض المهاجرين البحث عن سبل للوصول إلى أوروبا رغم تشديد الرقابة على المسارات التقليدية.
المصدر: صحيفة «لا راثون» الإسبانية، نقلاً عن تقرير المركز الوطني للهجرة والحدود التابع للشرطة الوطنية الإسبانية، بتاريخ 28 أكتوبر 2026.
ملاحظة تحريرية: الاتهامات المتعلقة بدور أجهزة الأمن المغربية منسوبة إلى استنتاجات المحققين كما نقلتها الصحيفة، ولا تمثل حكماً قضائياً نهائياً.



