أحمد السالمي: برشلونة
حين تتعلق الأسئلة بالمال العام، لا يكفي الصمت ولا تكفي التبريرات. المطلوب هو توضيح الحقائق، والتحقيق في الشبهات، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، بعيداً عن الحسابات السياسية والانتقائية.
«المال السايب كيعلم الشفارة»؛ مثل شعبي مغربي تختزل كلماته القليلة تحذيراً عميقاً من عواقب غياب الرقابة والمحاسبة. فحين يصبح المال العام عرضة لسوء التدبير، وحين تتكاثر الأسئلة حول صفقات ودعم عمومي وتدبير ميزانيات، فإن أول ما يتضرر ليس فقط رصيد الدولة المالي، بل ثقة المواطن في المؤسسات التي يفترض أن تحمي مصالحه وتصون حقوقه.
في المغرب، تتجدد بين الفينة والأخرى نقاشات وتساؤلات بشأن صفقات عمومية، وبرامج دعم، وتصريحات سياسية، وملفات تدبير محلي. وتطفو على السطح أسماء مسؤولين وشركات ومستفيدين، بينما يجد المواطن نفسه أمام سيل من المعطيات والاتهامات المتداولة، من دون أن يحصل دائماً على أجوبة واضحة ومتكاملة عن حقيقة ما جرى، وما إذا كانت هناك مخالفات تستوجب المساءلة.
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: أين دور النيابة العامة حين تثار شبهات جدية بشأن تدبير المال العام؟
من صفقات تحلية المياه إلى دعم المواشي.. أسئلة تنتظر أجوبة
من الملفات التي أثارت نقاشاً عمومياً موضوع تحلية مياه البحر بالدار البيضاء، وما ارتبط به من تساؤلات حول الصفقات العمومية والجهات المستفيدة منها. كما يطرح ملف دعم مربي الماشية أسئلة بشأن كيفية توزيع الدعم العمومي، ومدى وصوله إلى مستحقيه، وآليات مراقبة الاستفادة منه، خصوصاً في ظل الجدل الذي رافق ما يُعرف شعبياً بـ«الفراقشية».
وهناك أيضاً تصريحات سياسية خلال الحملات الانتخابية، من بينها ما نُسب إلى فوزي لقجع بشأن مبلغ 280 ملياراً، فضلاً عن اتهامات وتساؤلات أثيرت بشأن تدبير الشأن المحلي في الرباط، وملفات أخرى تتداولها الأوساط السياسية والإعلامية.
لكن الإنصاف يقتضي التمييز بين الوقائع المثبتة، والتصريحات المنقولة، والاتهامات التي لم يصدر بشأنها حكم قضائي. فمجرد ورود اسم مسؤول أو شركة في نقاش عمومي لا يعني ثبوت ارتكاب مخالفة، كما أن إثارة الأسئلة لا تعني الإدانة المسبقة لأي طرف.
غير أن هذا التمييز لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لإغلاق النقاش. فإذا كانت هناك معطيات جدية ومحددة تشير إلى احتمال وقوع فساد أو تبديد للمال العام أو تضارب للمصالح، فإن المطلوب هو التحقق منها عبر المؤسسات المختصة، لا تركها معلقة بين النفي والتشكيك والتأويل السياسي.
فالمال العام ليس ملكاً لحكومة أو حزب أو مسؤول، بل هو أموال المواطنين، تُجمع من الضرائب والموارد العمومية، ويُفترض أن تُصرف لخدمة مصالحهم وتحسين أوضاعهم.
هل تتحرك العدالة بالقدر نفسه في جميع الملفات؟
السؤال الذي يفرض نفسه ليس ما إذا كان ينبغي متابعة هذا المسؤول أو ذاك بناءً على الاتهامات المتداولة، وإنما ما إذا كانت الشبهات المتعلقة بالمال العام تخضع لمعايير واضحة وموحدة في التعامل معها.
لماذا يظل المواطن أحياناً عاجزاً عن معرفة ما إذا كانت شكاية قد وُضعت، أو بحث قد فُتح، أو ملف قد أُحيل على جهة قضائية مختصة؟ ولماذا تتحول بعض القضايا إلى نقاشات واسعة من دون أن تتوفر للرأي العام معلومات كافية عن مسارها، في حدود ما يسمح به القانون؟
إن المطالبة بالوضوح لا تعني كشف تفاصيل الأبحاث السرية، ولا الضغط على القضاء لإصدار أحكام مسبقة، وإنما تعني تعزيز التواصل المؤسساتي، وتوضيح المساطر كلما كان ذلك ممكناً قانوناً، وترسيخ مبدأ أن الشبهات الجدية لا ينبغي أن تُهمل بسبب موقع المشتبه فيه أو نفوذه أو انتمائه السياسي.
فإذا كان مواطن عادي يخضع للمساءلة حين تتوفر بشأنه قرائن تستدعي التحقيق، فمن حق المجتمع أن يطمئن إلى أن المسؤول العمومي لا يتمتع بحصانة غير منصوص عليها قانوناً، وأن تولي منصب سياسي أو حكومي لا يجعل صاحبه بمنأى عن المساءلة.
المساواة أمام القانون ليست شعاراً للاستهلاك، بل ممارسة ينبغي أن تظهر في طريقة تعامل المؤسسات مع الملفات، أياً كانت الأسماء المعنية بها.
هل تحتاج العدالة إلى إذن سياسي كي تتحرك؟
من أكثر الأسئلة حساسية في هذا النقاش: هل تتحرك النيابة العامة وفق ما يفرضه القانون والمعطيات المتوفرة، أم أن المواطن قد يشعر أحياناً بأن وتيرة التحرك تختلف باختلاف طبيعة الملفات والأشخاص المعنيين بها؟
هذا السؤال لا يجوز تحويله إلى اتهام مجاني للمؤسسة القضائية، لكنه أيضاً لا ينبغي أن يكون محرّماً على النقاش العمومي. فاستقلال القضاء لا يتعارض مع مساءلة المؤسسات عن أدائها، بل إن الثقة فيه تتعزز كلما كانت قواعد عمله واضحة، وكانت قراراته مبنية على القانون، بعيداً عن أي تدخل أو ضغط.
والواقع أن النيابة العامة ليست مجرد مؤسسة تنتظر أن تتصدر قضية ما عناوين الصحف حتى تتحرك. فدورها، وفقاً للقانون، يرتبط بتلقي الشكايات والتبليغات، والتعامل مع المعطيات التي قد تكشف عن أفعال جرمية، وممارسة الاختصاصات المخولة لها قانوناً.
لكن يجب الانتباه إلى أن المساطر القانونية المنظمة للبحث والمتابعة قد تتغير بحسب طبيعة الجريمة والجهة المختصة. كما أن تعديلات قانون المسطرة الجنائية التي دخلت حيز التنفيذ في دجنبر 2025 أثارت نقاشاً واسعاً بشأن شروط تحريك الأبحاث والمتابعات في جرائم المال العام، ولا سيما القيود المفروضة على تقديم بعض الجمعيات للشكايات المباشرة.
وهنا تبرز ضرورة توضيح المساطر للرأي العام، حتى لا يظل المواطن يتساءل عما إذا كانت الشكايات قد وصلت إلى الجهات المختصة، وما إذا كانت المعطيات المتوفرة تستوجب البحث، وما هي الأسباب القانونية التي قد تحول دون الانتقال من إثارة الشبهة إلى فتح مسطرة قضائية.
لا أحد يطالب بإدانة الناس عبر الصحافة، وإنما المطلوب ألا تتحول قرينة البراءة إلى ذريعة لعدم التحقق من الشبهات، وألا تتحول سرية الأبحاث إلى جدار يمنع كل مساءلة عمومية.
مبلغ 280 ملياراً.. أين تذهب أموال المغاربة؟
عندما يتعلق الأمر بمبالغ ضخمة من المال العام، فإن المسألة تتجاوز الخلافات الحزبية وتدخل في صميم الحق في المعلومة والمساءلة.
ففي شتنبر 2026، أثار تصريح لفوزي لقجع بشأن إنفاق الدولة 280 مليار درهم خلال خمس سنوات لدعم القدرة الشرائية نقاشاً جديداً، بعدما طالبت جمعية «ترانسبارنسي المغرب» بتوضيحات بشأن أوجه صرف هذه المبالغ، والمستفيدين منها، ومدى انعكاسها على الأسعار والقدرة الشرائية للمواطنين. كما أوضح لقجع أن تنفيذ النفقات يعود إلى القطاعات الحكومية المعنية بعد اعتماد الميزانيات.
وهنا ينبغي طرح أسئلة مشروعة: ما المعايير المعتمدة لتقييم أثر هذه النفقات؟ هل وصلت أوجه الدعم إلى الفئات المستهدفة؟ ما النتائج التي حققتها البرامج العمومية؟ وهل توجد آليات كافية لقياس أثر الإنفاق على حياة المواطنين؟
إن المطالبة بهذه الأجوبة لا تعني أن مبلغاً معيناً قد اختفى أو أن جريمة قد وقعت. لكنها تعني أن الإنفاق العمومي، خصوصاً عندما يتعلق بمبالغ كبيرة، يجب أن يكون قابلاً للتتبع والتقييم والمراقبة.
فالمواطن الذي يواجه ارتفاع تكاليف المعيشة، ويؤدي الضرائب بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من حقه أن يعرف ما الذي تحقق مقابل الأموال التي أُنفقت باسمه.
العدالة ليست انتقاماً سياسياً.. بل ضمانة للجميع
من الضروري التأكيد على أن مكافحة الفساد لا تعني تصفية الحسابات مع الخصوم، ولا تحويل النيابة العامة إلى أداة لتصفية النزاعات السياسية. فالعدالة التي تتحرك تحت ضغط الشارع وحده قد تقع في التسرع، مثلما أن العدالة التي تتجاهل المعطيات الجدية قد تترك مجالاً واسعاً للشك وفقدان الثقة.
المطلوب هو تحقيق مستقل، ومعايير موحدة، واحترام قرينة البراءة، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته أمام القضاء.
كما أن محاربة الفساد لا تبدأ بالمحاكم وحدها؛ بل تتطلب شفافية الصفقات العمومية، ومراقبة تضارب المصالح، وتفعيل أجهزة الرقابة المالية والإدارية، ونشر المعلومات المتعلقة بالإنفاق العمومي، وتقييم نتائج برامج الدعم.
وفي هذا السياق، تتيح الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها قنوات رسمية لتلقي التبليغات والشكايات والمعلومات المتعلقة بالفساد، بما فيها البوابة الإلكترونية المخصصة لذلك.
وهذا يعني أن النقاش العمومي يمكن أن يتحول إلى خطوات مؤسساتية ملموسة، متى توفرت المعطيات الدقيقة والأدلة التي تسمح للجهات المختصة بفحصها.
الشعب يسأل.. فمن يجيب؟
في نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر باسم وزير أو حزب أو مسؤول جماعي بعينه، بل بمبدأ يفترض أن يكون فوق الجميع: المال العام أمانة، ومن حق المواطنين معرفة كيف يُدبّر، ومن واجب المؤسسات المختصة التحقق من أي شبهات جدية وفق القانون.
إذا كانت الملفات المتداولة لا تتضمن ما يكفي لفتح بحث، فالتوضيح القانوني والمؤسساتي يظل ضرورياً كلما سمحت المساطر بذلك. وإذا كانت هناك معطيات تستدعي التحقيق، فإن المطلوب هو فحصها دون انتقائية، أياً كانت هوية الأشخاص المعنيين بها.
فلا يمكن بناء الثقة على الوعود وحدها، ولا على البلاغات السياسية، ولا على تبادل الاتهامات بين الأحزاب. الثقة تُبنى حين يشعر المواطن بأن القانون يسري على الجميع، وأن المال العام لا تحميه العلاقات ولا المناصب، وأن المسؤولية السياسية لا تعفي من المسؤولية القانونية متى ثبتت موجباتها.
أما المثل الشعبي «المال السايب كيعلم الشفارة»، فليس حكماً قضائياً على أحد، بل تحذير من عواقب غياب الرقابة والمحاسبة.
والسؤال الذي ينبغي أن يبقى مطروحاً أمام المؤسسات، لا أمام الرأي العام وحده، هو: كيف يمكن إقناع المواطن بأن المال العام مصون، إذا ظلت الأسئلة المتعلقة بتدبيره معلقة من دون أجوبة واضحة؟
الشعب لا يطلب إدانة مسبقة لأحد، ولا يريد عدالة انتقائية. إنه يريد معرفة الحقيقة، وتطبيق القانون، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته.
فمن سيجيب عن أسئلة المغاربة بشأن مصير أموالهم؟



