في مقابلة نشرتها «لافانغوارديا»، قدّم إغناسيو غونزاليس، رئيس جمعية مصنّعي وموزّعي الاستهلاك الواسع «أيكوك»، تشخيصاً قاتماً لمستقبل أسعار الغذاء في إسبانيا. تحدث عن تضخم عام يقترب من 5%، وعن قطاع غذائي يصمد عند 2,7% فقط لأن الشركات «تضحّي بهوامش ربحها» وتضغط نفقاتها. وقال بصراحة: «كلما طال أمد مشكلة مضيق هرمز، صار أصعب على الشركات أن تتحمّل». ثم أضاف جملة تستحق التوقف: «قد يأتي وقت يصعب فيه ذلك».
ليست هذه تصريحات رجل أعمال يلوّح بعواقب وخيمة على المستهلكين. إنها تشخيص اقتصادي مشروع لقطاع يواجه ضغوطاً جيوسياسية خارجة عن إرادته. لكن اللافت في المقابلة ليس حديث التضخم، بل ما قاله غونزاليس عن الهجرة. هناك تحوّل الخطاب من لغة الأرقام إلى لغة السياسة.
يقول رئيس «أيكوك» إن إسبانيا تستقبل نصف مليون شخص إضافي سنوياً منذ خمس سنوات، وإن هذا «يعزز الاستهلاك». ثم ينتقل إلى سوق العمل: نسبة البطالة بين المولودين خارج إسبانيا 14% مقابل 9% بين المولودين داخلها، رغم أن معدل نشاطهم أعلى. ويخلص إلى مطالبة صريحة بـ«سياسة هجرة معقولة» تملأ فرص الشغل المتاحة، عبر «التدريب في بلد المنشأ» و«وصول أشخاص يمكنهم شغل تلك المناصب». ويضيف: «لا معنى أن تكون البطالة أعلى بين السكان المهاجرين».
في ظاهرها، مطالب منطقية: سوق عمل يعاني نقصاً في سائقين وفنيي صيانة وجزارين وبائعي أسماك، وقوة عاملة مهاجرة عاطلة بمعدل أعلى. لكن في جوهرها، تكشف هذه التصريحات عن تحوّل خطير في طريقة الحديث عن الهجرة في إسبانيا. المهاجر هنا لم يعد إنساناً له حقوق، ولا حتى عاملاً له احتياجات. صار «متغيراً» في معادلة اقتصادية: إذا كان يستهلك، فهو مفيد؛ وإذا كان عاطلاً، فهو «فشل» في سياسة الهجرة؛ وإذا لم تكن مؤهلاته مطابقة لفرص الشغل المتاحة، فهو «مشكلة» تستدعي «تدريباً في بلد المنشأ».
هذا المنطق، مهما بدا عملياً، يضع الإنسان في خدمة السوق لا العكس. ويطرح سؤالاً كان يجب أن يبقى في صدارة النقاش: ماذا عن أولئك الذين لا يجدون وظيفة لأن سوق العمل لا يستوعبهم، أو لأن شهاداتهم غير معترف بها، أو لأنهم يعملون في الاقتصاد غير المهيكل؟ هل يُلامون على بطالتهم، أم تُلام سياسة هجرة لا ترى فيهم سوى أيدٍ عاملة؟ وماذا عن حقهم في الإيواء والغذاء والصحة، بصرف النظر عن «قيمتهم الاقتصادية»؟
المفارقة أن غونزاليس نفسه يدعو الحكومة إلى خفض الضرائب لمساعدة المواطنين على تجاوز الأزمة. لكن المواطنين في حديثه عن التضخم هم المستهلكون، وفي حديثه عن الهجرة هم «الوافدون» الذين يجب أن تتطابق مؤهلاتهم مع فرص الشغل. بين الخطابين مسافة أخلاقية ليست صغيرة.
إسبانيا تحتاج فعلاً إلى نقاش هادئ حول الهجرة وسوق العمل. لكن النقاش الذي يبدأ من «فرص الشغل» وينتهي عند «التدريب في بلد المنشأ» ليس نقاشاً عن الهجرة، بل عن استيراد عمالة. وهذا حق اقتصادي مشروع للشركات، لكنه ليس سياسة هجرة. سياسة الهجرة تبدأ من الاعتراف بأن من يصل إلى أراضي الدولة له حقوق قبل أن يكون له «مؤهل» أو «وظيفة». وإذا نسيت إسبانيا هذا الأساس، فستجد نفسها تدير سوق عمل لا أزمة إنسانية. وهذا، في ضوء ما يجري في سبتة وغيرها، ليس احتمالاً بعيداً.



