بين الشراكة الاستراتيجية والتنافس الجيوسياسي، تضع أحداث سبتة ومليلية العلاقات بين الرباط ومدريد أمام اختبار جديد، في ظل أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة خلال يوليوز، والتوتر المرتبط بالتحركات البحرية، والزيارة الملكية الإسبانية إلى المدينتين يومي 13 و14 أكتوبر 2026.
مقدمة: عندما تعود القضايا المؤجلة إلى الواجهة
دخلت العلاقات المغربية الإسبانية، خلال أكتوبر 2026، مرحلة دقيقة تتداخل فيها المصالح الاقتصادية والأمنية مع الخلافات التاريخية والسيادية. فبعد سنوات من العمل على تعزيز التعاون بين البلدين، أعادت التطورات المرتبطة بسبتة ومليلية فتح أسئلة ظلت حاضرة في خلفية العلاقات الثنائية، لكنها لم تكن دائماً في صدارة الخطاب السياسي اليومي.
وجاءت زيارة الملك الإسباني فيليبي السادس والملكة ليتيثيا إلى سبتة يوم 13 أكتوبر، ثم إلى مليلية يوم 14 أكتوبر، لتمنح هذا الملف زخماً سياسياً وإعلامياً جديداً. فالزيارة، التي تعد الأولى من نوعها للملك الحالي إلى المدينتين، لم تقتصر على بعدها البروتوكولي، بل حملت رسائل تتعلق بموقف الدولة الإسبانية من المدينتين، خصوصاً في أعقاب أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة في نهاية يوليوز الماضي.
في المقابل، كان الخطاب الملكي المغربي بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية يوم 9 أكتوبر قد أكد أن الشراكات التي يعقدها المغرب تقوم على الاختيار السيادي والإرادة الحرة، ولا ينبغي أن تخضع للضغط أو التهديد أو الابتزاز. وقد اكتسب هذا الموقف أهمية إضافية في ظل النقاش حول تداعيات أزمة سبتة ومستقبل التعاون المغربي الإسباني.
وتبرز هنا مفارقة أساسية: المغرب وإسبانيا يحتاج كل منهما إلى الآخر في ملفات الأمن والتجارة والهجرة والطاقة، لكن القضايا المرتبطة بالسيادة والحدود تستطيع، في أي لحظة، إعادة التوتر إلى علاقة تحكمها مصالح متشابكة.
لفهم ما يجري اليوم، لا بد من تجاوز العناوين المثيرة، والتمييز بين الوقائع المؤكدة والمواقف الرسمية والتأويلات السياسية، ثم النظر إلى أزمة سبتة ومليلية ضمن سياق أوسع يتعلق بموقع المغرب في غرب البحر الأبيض المتوسط ومستقبل علاقته بأوروبا.
أولاً: زيارة الملك الإسباني إلى سبتة ومليلية ورسائلها السياسية
شكّلت زيارة فيليبي السادس والملكة ليتيثيا إلى سبتة ومليلية يومي 13 و14 أكتوبر 2026 الحدث الأبرز في المشهد المغربي الإسباني خلال الأيام الأخيرة.
وقد استقبلت المدينتان الزيارة باهتمام رسمي وشعبي وإعلامي كبير، وظهرت الأعلام الإسبانية والشعارات المؤكدة للانتماء إلى إسبانيا في الفضاء العام، بينما حرص المسؤولون المحليون على إبراز رمزية حضور الملك باعتباره رأس الدولة الإسبانية.
وفي مليلية، رُفعت شعارات تؤكد أن المدينة جزء من إسبانيا، كما عبّر مسؤولون محليون عن أهمية الزيارة بعد مرور نحو تسعة عشر عاماً على آخر زيارة ملكية إسبانية مماثلة، التي قام بها الملك السابق خوان كارلوس الأول والملكة صوفيا سنة 2007.
ومن المنظور الإسباني الرسمي، تحمل الزيارة معنى واضحاً يتعلق بتأكيد حضور الدولة ومؤسساتها في المدينتين. كما أنها تمنح السكان والمسؤولين المحليين مناسبة لإبراز ارتباطهم السياسي والقانوني بإسبانيا، في ظل استمرار المطالبات المغربية باستعادة المدينتين.
لكن توقيت الزيارة هو الذي منحها أهمية تتجاوز البروتوكول. فقد جاءت بعد أزمة حدودية كبيرة، وبعد تصريحات مغربية بشأن الوضع التاريخي والجغرافي لسبتة ومليلية، وفي أجواء يسودها الحذر بشأن مستقبل العلاقات الثنائية.
وعليه، يمكن قراءة الخطوة باعتبارها رسالة تأكيد للموقف الإسباني، من دون الجزم بأنها تهدف حصراً إلى استفزاز المغرب أو أنها تمثل إعلاناً عن تغيير في السياسة الخارجية الإسبانية. فهذه استنتاجات تحتاج إلى أدلة إضافية، ولا يكفي توقيت الزيارة وحده لإثباتها.
في المقابل، من الطبيعي أن تُقرأ الزيارة في المغرب باعتبارها تطوراً حساساً، لأن الرباط لا تنظر إلى سبتة ومليلية بوصفهما مجرد مدينتين مجاورتين، بل باعتبارهما جزءاً من ملف تاريخي وسيادي لم يُحسم من وجهة نظرها.
وهنا تظهر طبيعة الخلاف: ما تعتبره مدريد تأكيداً لسيادتها على المدينتين، قد تعتبره الرباط تثبيتاً لوضع تاريخي ترفض استمراره.
ثانياً: أزمة سبتة في يوليوز 2026.. الحدث الذي غيّر إيقاع العلاقات
لا يمكن فهم حساسية زيارة الملك الإسباني دون العودة إلى أحداث 30 و31 يوليوز 2026، حين شهدت سبتة وصولاً جماعياً استثنائياً لأعداد كبيرة من الأشخاص القادمين من جهة المغرب.
ووفق إحاطة خدمة الأبحاث التابعة للبرلمان الأوروبي الصادرة في 8 أكتوبر 2026، قُدّر عدد الوافدين خلال الأزمة بنحو 80 ألف شخص، مع تسجيل ما لا يقل عن 141 وفاة مرتبطة بالأحداث. وقد كشفت هذه الأرقام عن حجم الأزمة الإنسانية والأمنية، وعن هشاشة الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي عندما تقع تحركات جماعية بهذا الحجم.
وتحدثت تقارير عن انتشار معلومات مضللة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، تضمنت مزاعم بأن الحدود فُتحت وأن العبور إلى سبتة أصبح سهلاً، وأن الوصول إليها قد يضمن الحصول على اللجوء أو الانتقال إلى البر الإسباني. وأسهم تداول هذه المزاعم في زيادة حالة الارتباك، وفق المعطيات التي أوردتها الإحاطة الأوروبية.
غير أن تحديد المسؤولية عن نشر تلك المعلومات يظل مسألة منفصلة عن إثبات انتشارها. فالتقرير الأوروبي أشار إلى أن الحرس المدني الإسباني لم يتمكن، استناداً إلى المواد التي فحصها، من تحديد الجهات المسؤولة عن الحملة، ولم يجد أدلة تربطها بالحكومة المغربية أو بأجهزتها الأمنية أو بشبكة محددة لتهريب المهاجرين.
وهذه نقطة أساسية في أي معالجة مهنية للأزمة: لا يجوز تحويل الشكوك أو الاتهامات السياسية إلى حقائق ثابتة من دون أدلة موثوقة.
بالنسبة إلى إسبانيا، مثّلت الأحداث اختباراً لقدرة الدولة على حماية حدودها الخارجية، وضمان استقبال الوافدين ومعالجة ملفاتهم، والتعامل مع التداعيات الأمنية والإنسانية. كما أعادت إلى النقاش مسألة التنسيق مع المغرب، باعتباره شريكاً رئيسياً في مراقبة الهجرة عبر غرب المتوسط.
أما على المستوى الأوروبي، فقد دفعت الأزمة إلى نقاشات حول التضامن بين الدول الأعضاء، وإدارة الحدود، ومكافحة شبكات التهريب، وتطوير آليات الإنذار المبكر، والتعامل مع التضليل الرقمي.
وبذلك، لم تعد أحداث سبتة شأناً محلياً إسبانياً أو قضية ثنائية مغربية إسبانية فقط، بل تحولت إلى ملف أوروبي أوسع يتصل بمستقبل سياسة الهجرة وحماية الحدود الخارجية للاتحاد.
والأهم أن الأزمة أعادت إظهار مدى الترابط بين ملف الهجرة والعلاقات السياسية. فعندما تقع أزمة حدودية بهذا الحجم، يصبح التعاون الأمني موضع اختبار، وتتزايد الضغوط على الحكومات لتقديم تفسيرات واضحة للرأي العام، في حين تتراجع مساحة المناورة الدبلوماسية أمام الخطابات المتشددة.
ثالثاً: السفن المغربية والمياه المحيطة بسبتة.. خلاف يحتاج إلى توضيح
من بين الملفات التي زادت حساسية الوضع، التقارير المتعلقة بدخول سفن تابعة للبحرية المغربية إلى مياه تعتبرها إسبانيا تابعة لها قرب سبتة، بالتزامن مع أحداث نهاية يوليوز.
وفي 14 أكتوبر، نقلت وكالة الأنباء الإسبانية «إفي» موقف المفوضية الأوروبية الذي اعتبر أن توضيح ما جرى مسؤولية تقع على عاتق السلطات الإسبانية والمغربية. وأكدت المفوضية في الوقت نفسه أن سبتة ومليلية تقعان ضمن أراضي الاتحاد الأوروبي وتشكلان جزءاً من حدوده الخارجية، كما وصفت المغرب بأنه شريك استراتيجي في ملف الهجرة.
وكانت الحكومة الإسبانية قد وصفت الواقعة بأنها حدث محدود جرى التعامل معه بصورة طبيعية في إطار علاقات حسن الجوار. ويمثل هذا التوصيف الرسمي عنصراً مهماً عند تقييم حجم الحادث، خصوصاً في ظل اختلاف الروايات والتفسيرات التي ظهرت في وسائل الإعلام.
وفي مثل هذه الحالات، ينبغي الفصل بين ثلاثة مستويات: أولها الوقائع الميدانية التي يمكن التحقق منها، وثانيها التفسير القانوني لترسيم المياه والاختصاصات البحرية، وثالثها التأويل السياسي الذي قد يربط الحادث بمحاولة الضغط أو اختبار ردود الفعل.
ولا يكفي حدوث تحرك بحري قرب منطقة حساسة لإثبات وجود خطة سياسية محددة، كما أن وصف الحادث بأنه عادي لا يلغي ضرورة توضيح تفاصيله عندما يتعلق الأمر بحدود ذات أهمية استراتيجية.
وتكمن حساسية الملف في أن سبتة ليست مجرد نقطة عبور، بل موقع استراتيجي عند مدخل البحر الأبيض المتوسط، قريب من مضيق جبل طارق ومن طرق الملاحة الدولية. ولذلك فإن أي خلاف حول التحركات البحرية في محيطها يمكن أن يكتسب أبعاداً تتجاوز حجمه الميداني المباشر.
ومن مصلحة البلدين أن تتم معالجة مثل هذه الحوادث عبر القنوات الدبلوماسية والأمنية المختصة، بما يمنع تضخمها إعلامياً وتحولها إلى أزمة سياسية جديدة.
رابعاً: سبتة ومليلية.. جوهر الخلاف التاريخي بين الرباط ومدريد
تحتل سبتة ومليلية مكانة خاصة في العلاقات المغربية الإسبانية، لأن الخلاف حولهما لا يرتبط فقط بالحدود الجغرافية، بل يمتد إلى التاريخ والهوية والسيادة وتفسير الإرث الاستعماري.
فمن وجهة النظر المغربية، تمثل المدينتان امتداداً لملف تاريخي لم تتم تسويته، وتستند المطالبة باسترجاعهما إلى اعتبارات تاريخية وجغرافية وسياسية. وقد عاد هذا الموقف إلى الواجهة في غشت 2026، عندما دعا وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي إلى فتح قنوات للحوار مع إسبانيا بشأن مستقبل المدينتين، معتبراً أن للمغرب حقاً تاريخياً وجغرافياً فيهما.
أما إسبانيا، فتعتبر سبتة ومليلية مدينتين تتمتعان بوضع الحكم الذاتي داخل الدولة الإسبانية، وتؤكد أن سيادتها عليهما جزء من وحدتها الترابية. وقد أعلنت وزارة الخارجية الإسبانية، في 22 غشت 2026، رفضها القاطع لأي مقاربة تناقض هذا الموقف، وذلك عقب تصريحات الوزير المغربي.
ويكشف هذا التباين أن الطرفين لا يختلفان فقط حول الحل الممكن، بل ينطلقان من مرجعيتين مختلفتين في تعريف الوضع القانوني والسياسي للمدينتين.
وتتجاوز أهمية الملف الرمزية السياسية، إذ ترتبط المدينتان بموقع استراتيجي في شمال المغرب، وبحركة الأشخاص والبضائع، وبالترتيبات الأمنية والاقتصادية بين المغرب والاتحاد الأوروبي.
كما أن وجود حدود برية مباشرة بين المغرب والاتحاد الأوروبي في هاتين النقطتين يجعل أي تطور فيهما ذا أثر مباشر على سياسات الهجرة والأمن والتجارة الأوروبية.
لكن استمرار الخلاف لا يعني بالضرورة أن العلاقات الثنائية ستتوقف أو أن المواجهة أصبحت حتمية. فالعلاقات الدولية غالباً ما تعرف حالات يتعاون فيها طرفان في ملفات متعددة، رغم استمرار نزاع جوهري حول قضية سيادية.
وهذا ما يجعل سبتة ومليلية من أكثر الملفات حساسية: إذ يمكن أن تبقى القضية موضوعاً للخلاف السياسي لسنوات، بينما تستمر المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة في فرض قنوات للتواصل بين الجانبين.
خامساً: الخطاب الملكي المغربي ورسالة الشراكة من دون ضغط
اكتسب الخطاب الذي ألقاه الملك محمد السادس بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية يوم 9 أكتوبر 2026 أهمية خاصة في سياق التطورات الأخيرة.
فقد أكد الملك أن الشراكات التي يعقدها المغرب تقوم على الاختيار السيادي والالتزام الإرادي، وأنها لا ينبغي أن تكون موضع ضغط أو تهديد أو ابتزاز. وقد قرأت وسائل إعلام هذا الموقف في ضوء التوتر المحيط بأزمة سبتة والجدل بشأن العلاقات مع إسبانيا.
غير أن قراءة الخطاب تستوجب التمييز بين مضمونه العام وبين التأويلات التي تربطه مباشرة بكل حدث لاحق. فالتأكيد على استقلالية القرار المغربي يعكس مبدأً في السياسة الخارجية، ولا يكفي وحده لإثبات أن الرباط قررت تغيير مسار علاقتها بمدريد أو تعليق التعاون معها.
ومع ذلك، فإن توقيت الخطاب منح الرسالة بعداً سياسياً واضحاً. فالمغرب يريد أن يؤكد أن تعاونه مع الشركاء الأوروبيين لا يعني التنازل عن مواقفه في القضايا التي يعتبرها سيادية، وأن التعاون الأمني والاقتصادي يجب ألا يتحول إلى وسيلة لفرض تنازلات سياسية.
وتظهر أهمية هذه الرسالة عند النظر إلى موقع المغرب في العلاقات مع أوروبا. فالمملكة ليست مجرد دولة عبور للمهاجرين، بل شريك اقتصادي وأمني وسياسي، وفاعل أساسي في غرب المتوسط وشمال إفريقيا.
وبالتالي، فإن العلاقة بين الرباط ومدريد لا يمكن اختزالها في معادلة تقوم على تقديم التعاون في ملف الهجرة مقابل الحصول على مواقف سياسية محددة. فهناك مصالح طويلة الأمد تشمل الاستثمار والتجارة والطاقة ومكافحة الجريمة المنظمة والتنسيق الأمني.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام البلدين هو بناء علاقة تستطيع استيعاب الخلافات السيادية دون تحويل كل اختلاف إلى أزمة شاملة.
سادساً: لماذا تحتاج إسبانيا إلى المغرب رغم الخلاف حول المدينتين؟
تستند أهمية المغرب بالنسبة إلى إسبانيا إلى عوامل جغرافية واقتصادية وأمنية لا يمكن تجاوزها بسهولة.
أول هذه العوامل هو الموقع الجغرافي. فالمغرب وإسبانيا يتقاسمان مجالاً بحرياً حيوياً عند مضيق جبل طارق، الذي تمر عبره حركة بحرية وتجارية دولية واسعة. وأي تدهور في العلاقات بين البلدين قد يزيد تعقيد التنسيق في محيط استراتيجي شديد الحساسية.
وثانيها ملف الهجرة. فالتعاون مع المغرب يشكل أحد مكونات سياسة إسبانيا في إدارة الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي. وتحتاج مدريد إلى التنسيق مع الرباط لمكافحة شبكات تهريب البشر، وتبادل المعلومات، ومعالجة حالات العبور غير النظامي، والتعامل مع الأزمات المفاجئة.
وقد أكدت المفوضية الأوروبية، في تصريحات نقلتها وكالة «إفي» يوم 14 أكتوبر 2026، استمرار اعتبار المغرب شريكاً استراتيجياً في ملف الهجرة، بالتوازي مع تأكيدها أن الوقائع المرتبطة بدخول سفن مغربية إلى المياه المحيطة بسبتة يجب توضيحها من جانب البلدين.
وثالثها الاقتصاد. فالعلاقات التجارية بين المغرب وإسبانيا تشمل قطاعات صناعية وفلاحية وخدماتية، فضلاً عن الاستثمارات وسلاسل التوريد وحركة المقاولات والأفراد. ويعني ذلك أن أي أزمة سياسية ممتدة يمكن أن تؤثر في مصالح اقتصادية تتجاوز الحكومتين لتشمل الشركات والعمال والمستهلكين.
ورابعها الأمن. فالتعاون في مواجهة شبكات الجريمة المنظمة والتهريب والتطرف العنيف وتبادل المعلومات يفرض على الجانبين الحفاظ على قنوات اتصال فعالة، حتى في الفترات التي ترتفع فيها حدة الخطاب السياسي.
لكن حاجة إسبانيا إلى التعاون مع المغرب لا تعني أن مدريد ستتخلى تلقائياً عن موقفها من سبتة ومليلية. فالحكومات تتعامل مع الملفات المختلفة وفق حسابات قانونية وسياسية وأمنية منفصلة نسبياً، وقد تتمسك بموقفها السيادي بينما تواصل التفاوض والتعاون في مجالات أخرى.
وهنا تكمن صعوبة العلاقة: وجود مصالح مشتركة قوية لا يلغي الخلافات، كما أن وجود خلافات حقيقية لا يجعل القطيعة أمراً حتمياً.
سابعاً: المغرب وإسبانيا.. المصالح الاقتصادية أكبر من أزمة عابرة
يمثل الاقتصاد أحد العوامل التي تدفع البلدين إلى تجنب التصعيد غير المحسوب. فالمغرب شريك تجاري مهم لإسبانيا خارج الاتحاد الأوروبي، كما تستفيد المقاولات الإسبانية من القرب الجغرافي ومن فرص الاستثمار في السوق المغربية.
وتتوزع العلاقات الاقتصادية على قطاعات متعددة، من صناعة السيارات ومكوناتها إلى النسيج والفلاحة والصناعات الغذائية والخدمات والنقل. وتستفيد الشركات من قرب الأسواق ومن سهولة نسبية في تنظيم سلاسل الإمداد مقارنة بمسارات تجارية بعيدة.
وفي المقابل، يمثل السوق الإسباني بوابة مهمة لعدد من المنتجات المغربية، كما توفر العلاقات الثنائية فرصاً للمقاولات المغربية الراغبة في التوسع نحو أوروبا.
ولا تقتصر المصالح على الشركات الكبرى، إذ تمتد إلى المقاولات الصغيرة والمتوسطة، والنقل الدولي، والتجارة الحدودية، والسياحة، والخدمات المرتبطة بحركة الأشخاص.
وتؤثر سبتة ومليلية في جزء من هذه الدينامية، نظراً إلى الروابط الاجتماعية والاقتصادية التي نشأت عبر الحدود على مدى سنوات. ولذلك فإن أي اضطراب في الحركة الحدودية قد تكون له آثار مباشرة على السكان والعمال والتجار.
ومن المهم، في هذا السياق، ألا تتحول الخلافات السياسية إلى إجراءات اقتصادية واسعة من دون تقييم آثارها. فالتصعيد التجاري أو إغلاق قنوات التعاون قد يضر بمصالح الطرفين، من دون أن يؤدي بالضرورة إلى تقدم في معالجة النزاع السيادي.
لكن الاقتصاد وحده لا يضمن الاستقرار. فقد تستمر المبادلات التجارية حتى في ظل توتر سياسي، كما يمكن أن تتأثر قطاعات معينة بقرارات أمنية أو إدارية تتخذها الحكومات.
لذلك يحتاج الطرفان إلى آليات واضحة لإدارة الأزمات، تضمن استمرار المبادلات المشروعة، وتمنع تحول الخلاف السياسي إلى اضطراب يومي ينعكس على المواطنين والمقاولات.
ثامناً: ماذا تعني الأزمة بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي؟
لا تنحصر تداعيات أزمة سبتة في العلاقة الثنائية بين المغرب وإسبانيا. فقد أظهرت الأحداث أن الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي يمكن أن تتحول بسرعة إلى نقطة ضغط على المؤسسات الأوروبية وعلى علاقات الاتحاد بالدول المجاورة.
ووفق إحاطة خدمة الأبحاث التابعة للبرلمان الأوروبي الصادرة في 8 أكتوبر 2026، دفعت الأزمة إلى نقاشات أوروبية بشأن دعم إسبانيا، وتنسيق سياسات الهجرة، ومكافحة شبكات التهريب، وتحسين أنظمة الإنذار المبكر.
كما برزت خلافات بين بعض الدول الأعضاء بشأن كيفية التعامل مع الهجرة، وحدود التضامن الأوروبي، وتأثير القرارات الوطنية في بقية الدول.
ويظهر هذا الوضع أن السياسة الأوروبية تجاه المغرب تجمع بين مسارين متوازيين: مسار يؤكد ضرورة الشراكة مع الرباط، ومسار يسعى إلى تعزيز الرقابة على الحدود الخارجية وتقليل تدفقات الهجرة غير النظامية.
وتدرك المؤسسات الأوروبية أن المغرب يؤدي دوراً مهماً في إدارة الهجرة القادمة عبر غرب المتوسط، لكن الشراكة لا تلغي حاجة الاتحاد إلى آليات مستقلة لمراقبة حدوده والتعامل مع الأزمات الإنسانية.
ومن جانب آخر، فإن تحويل ملف الهجرة إلى معيار وحيد لتقييم العلاقات مع المغرب قد يؤدي إلى إغفال جوانب أخرى من الشراكة، مثل التجارة والطاقة والأمن الإقليمي والتنمية.
وتتمثل إحدى أبرز نتائج الأزمة في ضرورة تحسين التواصل بين المؤسسات الأوروبية والحكومات الوطنية، حتى لا تتحول كل أزمة حدودية إلى خلاف داخلي بين الدول الأعضاء، أو إلى مواجهة دبلوماسية مع الدول المجاورة.
تاسعاً: هل نحن أمام قطيعة دبلوماسية أم أزمة قابلة للاحتواء؟
حتى 15 أكتوبر 2026، تشير التطورات المتاحة إلى وجود توتر سياسي واضح حول سبتة ومليلية، لكن لا توجد في المعطيات المشار إليها أدلة كافية للقول إن البلدين دخلا مرحلة قطيعة دبلوماسية شاملة.
فالزيارة الملكية الإسبانية أعادت الخلاف إلى واجهة المشهد، والتصريحات المتبادلة بشأن السيادة والمياه المحيطة بسبتة أظهرت استمرار التباين في المواقف. وفي الوقت نفسه، أكدت المفوضية الأوروبية استمرار التعاون مع المغرب في ملف الهجرة، ووصفت العلاقة معه بالشراكة الاستراتيجية.
وهذا التعايش بين التوتر والتعاون ليس أمراً استثنائياً في العلاقات الدولية. فقد تختلف دولتان حول قضية حدودية، بينما تحافظان على العلاقات الدبلوماسية وتواصلان التنسيق في الملفات التي تتطلب ذلك.
وتعتمد قدرة الرباط ومدريد على احتواء الوضع على عدة عوامل، من بينها مستوى التواصل بين الحكومتين، وطبيعة التصريحات الرسمية المقبلة، ونتائج التوضيحات المتعلقة بالحادث البحري، وطريقة إدارة أي تطورات جديدة على الحدود.
كما أن الخطاب الإعلامي يلعب دوراً مؤثراً. فالمبالغة في وصف الأحداث بأنها مواجهة حتمية قد تضيق هامش المناورة أمام المسؤولين، بينما يساعد نشر المعلومات الدقيقة والتمييز بين الوقائع والتفسيرات على الحفاظ على مساحة للحلول الدبلوماسية.
ولا ينبغي، في المقابل، التقليل من أهمية الخلاف حول سبتة ومليلية. فالقضية متجذرة في تصورات متعارضة للسيادة والتاريخ، ومن المرجح أن تستمر في التأثير على العلاقات الثنائية ما لم تُعالج عبر مسار سياسي واضح.
والأكثر واقعية هو النظر إلى العلاقة باعتبارها شراكة تتخللها خلافات بنيوية، وليس علاقة خالية من المشكلات أو نزاعاً لا يمكن احتواؤه.
عاشراً: ما السيناريوهات الممكنة خلال المرحلة المقبلة؟
يمكن تصور ثلاثة مسارات عامة لتطور الوضع، من دون الجزم بأن أحدها سيحدث حتماً.
السيناريو الأول: احتواء التوتر عبر القنوات الدبلوماسية.
قد يختار الطرفان تجنب التصعيد الإعلامي، وتبادل التوضيحات بشأن الأحداث البحرية، ومواصلة التعاون في الهجرة والأمن والتجارة. ومن شأن هذا المسار أن يسمح لكل طرف بالحفاظ على موقفه المعلن بشأن المدينتين، مع منع الخلاف من التأثير في بقية العلاقات.
السيناريو الثاني: استمرار التوتر السياسي دون قطيعة.
قد تبقى التصريحات المتشددة قائمة، مع استمرار الخلاف حول سبتة ومليلية وتزايد الحساسية تجاه التحركات البحرية والحدودية. وفي هذه الحالة، يمكن أن تستمر المصالح الاقتصادية والأمنية في العمل، لكن ضمن أجواء من الحذر وانعدام الثقة.
السيناريو الثالث: تصعيد جديد نتيجة أزمة حدودية أو دبلوماسية.
إذا وقعت أحداث إضافية على الحدود أو ظهرت خلافات جديدة حول السيادة البحرية أو الهجرة، فقد تتوسع الأزمة وتؤدي إلى استدعاءات دبلوماسية أو إجراءات إدارية وأمنية أكثر تشدداً. غير أن تحقق هذا السيناريو يظل مرتبطاً بوقائع مستقبلية لا يمكن الجزم بها الآن.
وتبقى هذه السيناريوهات أدوات لفهم الاحتمالات، وليست تنبؤات مؤكدة. فالتطورات السياسية قد تتغير بسرعة، كما أن القرارات الرسمية وقنوات الاتصال بين البلدين يمكن أن تؤثر في اتجاه الأحداث.
سبتة ومليلية اختبار لمستقبل الشراكة المغربية الإسبانية
تؤكد أحداث أكتوبر 2026 أن العلاقات المغربية الإسبانية لا تزال محكومة بمعادلة معقدة تجمع بين الاعتماد المتبادل والخلاف السيادي.
فزيارة الملك فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية جاءت لتؤكد الموقف الإسباني من المدينتين، بينما أعاد الخطاب الملكي المغربي التأكيد على استقلالية القرار الوطني ورفض إخضاع الشراكات للضغط. أما أزمة يوليوز، فقد أظهرت أن الهجرة يمكن أن تتحول إلى قضية أمنية وإنسانية أوروبية واسعة، وأن أي اضطراب على الحدود قد يتجاوز أثره نطاق المنطقة المعنية.
ومع ذلك، فإن استمرار المصالح الاقتصادية والأمنية والتجارية بين المغرب وإسبانيا يجعل الحوار ضرورة عملية للطرفين، حتى عندما يختلفان جذرياً في القضايا السيادية.
ولا يعني الحوار التخلي عن المواقف الوطنية، كما لا يعني التعاون الاعتراف بصحة موقف الطرف الآخر في كل القضايا. بل إن إدارة الخلافات بوسائل دبلوماسية واضحة قد تكون السبيل الوحيد لتجنب أزمات متكررة تضر بمصالح البلدين.
أما ملف سبتة ومليلية، فسيظل من الملفات الأكثر حساسية في العلاقات بين الرباط ومدريد، نظراً إلى ارتباطه بالتاريخ والجغرافيا والسيادة والهوية. ولا يمكن حسم مساره من خلال الزيارات الرمزية أو التصريحات الإعلامية وحدها، بل يتطلب فهماً دقيقاً للمواقف القانونية والسياسية، وإدراكاً لحجم المصالح المشتركة وتكاليف التصعيد.
وفي المحصلة، فإن الاختبار الحقيقي للعلاقات المغربية الإسبانية ليس في غياب الخلاف، بل في قدرة الطرفين على منع الخلاف من التحول إلى قطيعة، والحفاظ على التعاون الضروري، مع استمرار كل طرف في التعبير عن موقفه من القضايا التي يعتبرها جوهرية.



