كشف تقرير صادر عن كاريتاس الإسبانية ومؤسسة FOESSA أن أزمة السكن في إسبانيا باتت تشكل عائقاً أمام ملايين الأشخاص، بمن فيهم المهاجرون والأسر ذات الدخل المحدود، في ظل ارتفاع تكاليف السكن وصعوبة التوفيق بين الإيجار والمصاريف الأساسية للحياة اليومية.
تتفاقم صعوبات الحصول على سكن مناسب في إسبانيا، بعدما أظهرت دراسة جديدة أن 50.6% من الأشخاص الذين يعيشون في مساكن مستأجرة لا يتوفرون على دخل يسمح لهم باستئجار مسكن بأسعار السوق الحالية، مع الحفاظ على نفقات الإيجار في حدود 30% من مواردهم المالية.
وجاءت هذه النتائج ضمن تقرير «السكن المستحيل: من الإيجار غير المتاح إلى إعادة تأجير الغرف من أجل البقاء»، الذي قدمته كاريتاس الإسبانية ومؤسسة FOESSA يوم 28 أكتوبر 2026، مسلطاً الضوء على اتساع الفجوة بين أسعار السكن والقدرة الشرائية للأسر.
المهاجرون والأسر محدودة الدخل في مواجهة أزمة السكن
يشير التقرير إلى أن تداعيات الأزمة تكون أشد على الشباب والأسر التي يعيلها أحد الوالدين بمفرده، والمهاجرين، والأسر التي تعتمد على وظائف غير مستقرة أو مداخيل متغيرة.
وفي ظل صعوبة استئجار شقة كاملة، يجد عدد متزايد من الأشخاص أنفسهم مضطرين إلى البحث عن غرف داخل مساكن مشتركة، أو اللجوء إلى إعادة تأجير الغرف باتفاقات غير رسمية، وأحياناً من دون عقد قانوني واضح.
ولا تتعلق المشكلة بمجرد تقاسم المسكن مع أشخاص آخرين، بل تمتد إلى ظروف الإقامة نفسها، خصوصاً عندما تصبح الغرفة الصغيرة المساحة الوحيدة المتاحة للنوم وتناول الطعام والاحتفاظ بالأغراض الشخصية وممارسة الأنشطة اليومية.
أكثر من 266 ألف شخص لجؤوا إلى استئجار الغرف
وفق التقرير، لجأ 266,435 شخصاً من بين المستفيدين من خدمات كاريتاس خلال عام 2025 إلى استئجار غرف داخل مساكن أخرى باعتباره حلاً لتأمين مكان للإقامة.
وتحذر المنظمة من أن بعض هذه الترتيبات تتم في ظروف قانونية غير واضحة، ما قد يضع المقيمين في وضع هش أمام النزاعات مع المالك أو المستأجر الأصلي.
وقد يترتب على غياب العقد الرسمي صعوبة إثبات حق الإقامة، ومشكلات مرتبطة بالتسجيل في السجل البلدي للسكان، فضلاً عن خطر فقدان الغرفة بصورة مفاجئة.
وتكتسي مسألة التسجيل البلدي أهمية خاصة بالنسبة إلى المهاجرين، إذ يمكن أن يكون إثبات الإقامة الفعلية ضرورياً في عدد من الإجراءات الإدارية، بحسب الحالة والملف المعني.
شراء منزل أيضاً خارج قدرة غالبية المكتَرِين
لا تقتصر الأزمة على سوق الإيجار، بل تمتد إلى شراء العقارات. ويقدر التقرير أن 69.5% من الأشخاص الذين يعيشون في مساكن مستأجرة لا يستوفون الشروط المالية اللازمة لشراء مسكن وفق النموذج الذي اعتمدته الدراسة.
ويفترض هذا النموذج شراء مسكن مرجعي تبلغ مساحته 80 متراً مربعاً، مع تمويل عقاري يصل إلى 80% من قيمة العقار، وفترة سداد تمتد إلى 25 عاماً، وسعر فائدة افتراضي يبلغ 2.5%.
وبحسب الحسابات الواردة في الدراسة، يتطلب شراء هذا المسكن توفير مدخرات أولية تبلغ نحو 40,756 يورو، إلى جانب دخل شهري لا يقل عن 2,438 يورو.
وهذه أرقام تقديرية خاصة بالسيناريو الذي اعتمدته الدراسة، وليست شروطاً موحدة تفرضها جميع البنوك الإسبانية على طالبي القروض العقارية.
وتوضح هذه المعطيات حجم الصعوبة التي تواجه الأسر التي لا تستطيع تحمل الإيجار المرتفع، لكنها لا تملك في الوقت نفسه المدخرات والدخل اللازمين للحصول على قرض عقاري.
كتالونيا ضمن المناطق التي يصعب فيها الوصول إلى الملكية
تختلف أزمة السكن من منطقة إسبانية إلى أخرى، بحسب أسعار العقارات ومستويات الدخل وتوافر المساكن المعروضة للإيجار.
ووفق التقرير، تندرج كتالونيا، إلى جانب جزر البليار ومجتمع بلنسية وكانتابريا ومدريد، ضمن المناطق التي يشكل فيها شراء مسكن عائقاً أكبر نسبياً من الإيجار، بسبب ارتفاع الأسعار والحاجة إلى توفير مدخرات أولية واستيفاء شروط التمويل.
وفي المقابل، تظهر مناطق مثل نافارا وإكستريمادورا وقشتالة وليون وسبتة وقشتالة لا مانتشا ضغوطاً أكبر نسبياً في سوق الإيجار مقارنة بالشراء.
أما في مناطق مثل لا ريوخا وأراغون ومليلية وإقليم الباسك، فتظهر صعوبات في المسارين معاً، وإن كانت شدتها تختلف من منطقة إلى أخرى.
ما الحلول التي تقترحها كاريتاس؟
ترى كاريتاس ومؤسسة FOESSA أن معالجة الأزمة تتطلب إجراءات تتناسب مع الأوضاع الاقتصادية للأسر وخصوصية كل سوق محلية.
ومن بين الحلول التي يدعو إليها التقرير تعزيز السكن الاجتماعي المخصص للأسر ذات الدخل المحدود أو غير المستقر، وتوسيع عرض المساكن الميسورة التكلفة في المناطق التي تشهد ضغطاً كبيراً على الإيجارات.
كما يشدد على ضرورة توفير آليات تمويل مسؤولة للأسر متوسطة الدخل التي تستطيع تحمل أقساط شهرية، لكنها لا تملك المدخرات الأولية المطلوبة لشراء مسكن.
وتؤكد هذه التوصيات أن زيادة عدد المساكن وحدها لا تكفي، ما لم تكن الوحدات المتاحة مناسبة من حيث السعر والدخل الفعلي للأسر التي تحتاج إليها.
أزمة تتجاوز أسعار الإيجار
تكشف نتائج التقرير أن أزمة السكن في إسبانيا لم تعد مرتبطة فقط بالعثور على شقة، بل أصبحت مرتبطة بالقدرة على الحفاظ على الاستقرار السكني من دون التضحية بالاحتياجات الأساسية الأخرى.
وبالنسبة إلى الأسر المغربية والمهاجرة، يمكن أن تتضاعف الصعوبات عندما تكون المداخيل محدودة أو غير مستقرة، أو عندما تضطر الأسرة إلى البحث عن مسكن جديد في سوق ترتفع فيه الأسعار وتتزايد فيه متطلبات المالكين.
وتطرح هذه المعطيات سؤالاً أساسياً أمام السياسات الاجتماعية والسكنية في إسبانيا: كيف يمكن ضمان حصول الأسر على مسكن لائق ومستقر يتناسب ثمنه مع مداخيلها، بدلاً من دفع المزيد منها إلى حلول مؤقتة وغير مضمونة؟



