قضايا و آراء

بين الشعب والرعية… هل نحن مواطنون أم مجرد رعايا؟

بقلم مشرف1 مشاهدة5 د للقراءة
بين الشعب والرعية… هل نحن مواطنون أم مجرد رعايا؟
إعلان
بقلم: أحمد السالمي.
في خضم النقاشات التي تشهدها الدول العربية حول الديمقراطية، والحقوق، والمواطنة، والدولة الحديثة، يبرز سؤال قد يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يحمل أبعاداً فلسفية وسياسية عميقة: هل نحن شعوب أم رعايا؟ وهل الفرق بين المصطلحين مجرد اختلاف لغوي، أم أنه يعكس طبيعة العلاقة بين الإنسان والدولة؟
الجواب يبدأ من اللغة، لكنه لا ينتهي عندها.
في لسان العرب لابن منظور، يُعرَّف الشعب بأنه الجماعة الكبرى التي تجمعها رابطة النسب أو الأرض أو الانتماء، ومنه تشعبت القبائل، ولذلك قيل: “الشعب أكبر من القبيلة”. فالشعب هنا كيان جماعي يمتلك شخصية وهوية ومصلحة مشتركة.
أما الرعية، فهي من الفعل “رعى”، أي حفظ واعتنى. وسُمي الناس رعية لأن الحاكم يرعاهم ويتولى شؤونهم، كما جاء في الحديث النبوي: “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته.” ولم يكن المصطلح في التراث الإسلامي يحمل دلالة الانتقاص، بل كان يعبر عن علاقة تقوم على المسؤولية المتبادلة بين الحاكم والمحكوم. لكن المفهومين تطورا مع تطور الدولة.
يرىموسس علم الاجتماع ابن خلدون أن قيام الدولة يرتكز على ركيزتين أساسيتين: العصبية التي تمنحها القوة والتماسك، والشرعية التي تكسبها القبول والاستقرار. ويؤكد أن مهمة السلطان لا تقتصر على ممارسة السلطة، بل تتمثل في صون العمران، وإقامة العدل بين الناس، وحماية مصالحهم، لأن الظلم يقود حتمًا إلى تدهور المجتمع وانهيار الدولة، وهو ما عبّر عنه بقوله الشهير: “الظلم مؤذن بخراب العمران.” ورغم استعماله لمفهوم “الرعية”، فإنه لم يتحدث عن أفراد منزوعي الإرادة، بل عن جماعة لها حقوق، كما يؤكد أن استقرار الدولة مرهون بعدل الحاكم لا بقوته.
أما في علم الاجتماع الحديث، فقد تراجع مفهوم “الرعية” لصالح مفهوم “المواطن” أو “الشعب”، حيث أصبحت العلاقة بين الفرد والدولة قائمة على المواطنة والحقوق والواجبات المتبادلة، بدلًا من علاقة الطاعة والخضوع التي ميّزت النظم التقليدية. فالشعب لم يعد مجرد مجموعة تعيش داخل حدود معينة، بل أصبح مصدر الشرعية السياسية.كما ان الدولة الحديثة لم تعد تُحكم باسم الملك أو السلطان، وإنما باسم الشعب، وهو ما تجسد في معظم الدساتير الحديثة التي تبدأ بعبارة: “الشعب مصدر السلطات.”
وفي الفلسفة السياسية الغربية، خاصة مع جون لوك وجان جاك روسو، نشأت فكرة العقد الاجتماعي، التي تجعل السلطة نابعة من إرادة الشعب لا من حق إلهي أو وراثي. فالحاكم موظف لدى الأمة، وليس مالكاً لها، وإذا أخل بالعقد فقد شرعيته.
وفي المقابل، تؤكد الفلسفة السياسية الإسلامية أن الطاعة ليست مطلقة، وإنما مقيدة بالعدل واحترام الشريعة والمصلحة العامة. وقد اشتهرت مقولة الخليفة أبي بكر الصديق عند توليه الخلافة: “أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم.” وهي عبارة تؤسس لمبدأ الرقابة على السلطة، لا للخضوع الأعمى لها.
ومن هنا تظهر الفوارق الجوهرية بين المفهومين.
الشعب هو صاحب السيادة، يختار حكامه، ويحاسبهم، ويشارك في صناعة القرار، ويتمتع بحقوق سياسية ومدنية واقتصادية، مقابل واجبات مثل احترام القانون، وأداء الضرائب، والدفاع عن الوطن، والمشاركة الإيجابية في الحياة العامة.
أما الرعية في صورتها التقليدية، فهي جماعة تخضع للحاكم مقابل أن يوفر لها الأمن والعدل والحماية. تنحصر أدوارها الأساسية في الامتثال لسلطة الدولة والالتزام بالنظام القائم، في حين تظل مساهمتها في صناعة القرار السياسي محدودة أو شبه منعدمة.
ليست المشكلة في مصطلح “الرعية” نفسه، الذي هو جزء من التراث السياسي والفقهي الإسلامي، وإنما في توظيفه اليوم خارج سياقه التاريخي، بما قد يوحي بعلاقة تقوم على الطاعة أكثر من المشاركة والمواطنة.، إذ لا يزال الخطاب الرسمي يتحدث عن الشعب، بينما تُمارس السلطة بمنطق الرعية؛ حيث يُطلب من المواطن أداء الواجبات كاملة، في حين تبقى الحقوق خاضعة للتأويل أو للظروف أو للمزاج السياسي.
وتزداد المفارقة عندما يُنظر إلى المطالبة بالحقوق باعتبارها تمرداً، بينما تُعتبر الطاعة فضيلة حتى في غياب المحاسبة والشفافية.
وفي الحالة المغربية، ينص الدستور بوضوح على أن السيادة للأمة، ويقر مجموعة واسعة من الحقوق والحريات، كما يرسخ مبادئ المشاركة والمواطنة. غير أن السؤال الذي يطرحه كثير من المغاربة لا يتعلق بالنصوص، بل بالممارسة: إلى أي حد يشعر المواطن بأن صوته مؤثر؟ وهل تقوم العلاقة بين الدولة والمجتمع على مفهوم المواطنة الكاملة، أم أن بعض الممارسات الإدارية والسياسية لا تزال تستبطن منطق الرعية؟
لا يمكن إنكار أن المغرب عرف إصلاحات مهمة خلال العقود الأخيرة، سواء على المستوى الدستوري أو المؤسساتي أو التنموي. لكن التحديات الاجتماعية، من بطالة الشباب، وتفاوتات مجالية، وضعف الثقة في المؤسسات لدى بعض الفئات، تجعل النقاش حول المواطنة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
إن الدولة الحديثة لا تُبنى على الخوف، بل على الثقة. ولا تستمد قوتها من كثرة المطيعين، بل من كثرة المواطنين الذين يشعرون بأنهم شركاء في الوطن، لا مجرد متلقين للقرارات.
وفي النهاية، فإن الفرق الحقيقي بين الشعب والرعية تصنعه طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع. فعندما تُحترم الحقوق، ويُطبَّق القانون على الجميع، وتُفتح أبواب المشاركة والمحاسبة، يصبح الناس شعباً بكل ما تحمله الكلمة من معنى. لكن عندما تقوم العلاقة بين الدولة والمجتمع على معادلة الولاء والطاعة مقابل تقديم الخدمات والامتيازات، فإن مفهوم “الرعية” يظل حاضرًا في الواقع، حتى وإن اختفى اسمه من النصوص القانونية والخطابات الرسمية.
وفي ضوء هذه التحولات، يظل سؤال جوهري يفرض نفسه: هل تمكنت الدول العربية، بما فيها المغرب، من إرساء نموذج المواطنة بوصفه الأساس الحقيقي للعلاقة بين الدولة والمجتمع، بما يحمله من مبادئ المساواة والحقوق والمشاركة والمسؤولية المشتركة، متجاوزةً بذلك نهائيًا مفهوم الرعية، أم أن الممارسة السياسية والإدارية لا تزال تحتفظ ببعض مظاهر هذا المفهوم التاريخي، رغم تبني الخطاب الرسمي لمفاهيم الدولة الحديثة؟
إعلان

اترك تعليقاً