وثيقة رسمية تقارن بين ثلاث موجات من محاولات الدخول الجماعي إلى سبتة، وتربط اختلاف أعداد الوافدين بمستوى انتشار قوات الأمن المغربية وطبيعة تدخلها، فيما تكشف عن تحول في التركيبة الاجتماعية للمهاجرين خلال يوليوز 2026.
أعادت وثيقة تحليلية صادرة عن المركز الوطني للهجرة والحدود (CENIF)، التابع للشرطة الوطنية الإسبانية، تسليط الضوء على العوامل التي رافقت ثلاثاً من أبرز أزمات الدخول الجماعي إلى مدينة سبتة المحتلة، خلال ماي 2021، وغشت وشتنبر 2024، ويوليوز 2026.
وتقدم الوثيقة مقارنة مفصلة بين الأحداث الثلاثة، من خلال تحليل سبعة عوامل رئيسية، تشمل الدعوات المنشورة على شبكات التواصل الاجتماعي، وحجم انتشار قوات الأمن المغربية قبل وقوع الأحداث، والمبررات السياسية المرتبطة بكل أزمة، والمناطق الجغرافية التي شهدت محاولات العبور، وطبيعة التدخل الأمني المغربي، فضلاً عن التركيبة الاجتماعية للوافدين ووسائل الدخول إلى المدينة.
وتخلص القراءة التي تقدمها الشرطة الإسبانية إلى أن أحداث 2021 ويوليوز 2026 تتشابهان في عدد من المؤشرات الأمنية، خصوصاً انخفاض الحضور الأمني المغربي وما تصفه الوثيقة بـ«التساهل» أثناء محاولات العبور، بينما تميزت أحداث 2024 بارتفاع مستوى الانتشار الأمني واعتماد تدخلات أكثر صرامة لاحتواء المحاولات.
أولاً: شبكات التواصل الاجتماعي.. العامل المشترك بين الأزمات الثلاث
تضع الوثيقة الدعوات المنشورة عبر شبكات التواصل الاجتماعي ضمن العوامل المشتركة بين موجات الدخول الثلاث.
ففي ماي 2021، وغشت وشتنبر 2024، ثم يوليوز 2026، رصدت الشرطة الإسبانية وجود دعوات وتحركات مرتبطة بشبكات التواصل الاجتماعي، ساهمت في تداول معلومات عن محاولات الوصول إلى سبتة وتشجيع أشخاص على المشاركة فيها.
ويعني ذلك، وفق تحليل المركز، أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت عنصراً حاضراً في التحضير لمحاولات العبور الجماعي، بصرف النظر عن الاختلافات السياسية والأمنية التي ميزت كل مرحلة.
لكن وجود دعوات رقمية لا يثبت بمفرده وجود تنظيم مركزي أو جهة واحدة تقف وراء جميع المشاركين.
ثانياً: الحضور الأمني المغربي.. الاختلاف الأبرز بين 2024 و2026
تعتبر هذه النقطة الأكثر أهمية في المقارنة التي أعدها المركز الوطني للهجرة والحدود.
فخلال أحداث 17 و18 ماي 2021، تشير الوثيقة إلى انخفاض انتشار قوات الأمن المغربية قبل وقوع موجة الدخول الجماعي.
وتسجل الوضع نفسه خلال يومي 30 و31 يوليوز 2026، حيث تشير إلى تراجع الحضور الأمني المغربي مقارنة بمستوى الانتشار الذي عرفته المنطقة خلال أحداث 2024.
في المقابل، تصف الوثيقة شهري غشت وشتنبر 2024 بمرحلة شهدت زيادة في انتشار القوات الأمنية المغربية، وهو ما تزامن مع احتواء محاولات الدخول وتقليص عدد الأشخاص الذين تمكنوا من الوصول إلى المدينة.
وبحسب المعطيات التي أوردها تقرير الشرطة، لم يتجاوز عدد القاصرين الذين وصلوا إلى سبتة خلال أحداث 2024 نحو 500 قاصر، مقابل حوالي 3000 خلال موجة يوليوز 2026.
وترى الشرطة الإسبانية أن اختلاف مستوى الانتشار الأمني والتدخل المغربي يفسر جانباً أساسياً من هذا التفاوت.
غير أن هذه العلاقة تظل جزءاً من تقييم أمني إسباني، ولا تكفي وحدها لإثبات وجود قرار سياسي مغربي متعمد بتسهيل عمليات العبور.
ثالثاً: المبررات السياسية.. من قضية زعيم البوليساريو إلى حكم المحكمة العليا
تتضمن الوثيقة أيضاً مقارنة لافتة بشأن الخلفيات السياسية التي رافقت الأحداث.
ففي أزمة ماي 2021، تشير الشرطة الإسبانية إلى قضية استقبال إسبانيا زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج، وما أعقب ذلك من توتر في العلاقات بين الرباط ومدريد، إلى جانب العلاقات المغربية الجزائرية.
أما خلال أحداث 2024، فلا تقدم الوثيقة مبرراً سياسياً رسمياً محدداً، وتضع علامة استفهام في الخانة المخصصة لهذا العامل.
وفي المقابل، تربط الوثيقة أحداث يوليوز 2026 بقرار أو حكم للمحكمة العليا الإسبانية، إلى جانب الإشارة إلى العلاقات مع الجزائر.
وهذه النقطة تستحق الانتباه، لأن إدراج هذه الخلفيات في وثيقة أمنية يعكس محاولة الشرطة وضع أحداث الهجرة ضمن سياقها السياسي والدبلوماسي، لكنه لا يثبت أن تلك التطورات كانت السبب المباشر في وقوع عمليات العبور.
رابعاً: أين وقعت محاولات الدخول؟
تكشف المقارنة الجغرافية عن اختلاف في المناطق التي شهدت محاولات العبور.
فخلال أحداث ماي 2021، تشير الوثيقة إلى منطقتي تاراخال وبنزو، بينما تركز المقارنة الخاصة بأحداث غشت وشتنبر 2024 على منطقة تاراخال.
وتشير الوثيقة إلى أن منطقة تاراخال كانت أيضاً محور محاولات الدخول خلال يومي 30 و31 يوليوز 2026.
ويعكس ذلك استمرار أهمية هذا القطاع الحدودي في محاولات الوصول إلى سبتة، سواء عبر المعابر والمناطق الساحلية أو عن طريق السباحة.
خامساً: «التساهل» أم «الاحتواء»؟ كيف تصف الشرطة تدخل القوات المغربية؟
في هذه الخانة، تقدم الوثيقة أحد أبرز أوجه المقارنة بين الأزمات الثلاث.
ففي ماي 2021، تصف تدخل قوات الأمن المغربية بأنه اتسم بالتساهل، وهو الوصف نفسه الذي تستخدمه بالنسبة إلى أحداث يوليوز 2026.
أما خلال سنة 2024، فتستخدم الوثيقة مفهوم «الاحتواء»، في إشارة إلى تدخل القوات الأمنية المغربية لمنع اتساع محاولات العبور.
وبالتالي، فإن الشرطة الإسبانية تضع أحداث 2021 و2026 في مجموعة واحدة من حيث طبيعة التدخل الأمني، مقابل اختلاف واضح في أحداث 2024.
ومن المهم التأكيد أن مصطلح «التساهل» هنا يعبر عن تقييم الشرطة الإسبانية، وليس توصيفاً قضائياً نهائياً يثبت مسؤولية السلطات المغربية.
سادساً: من الشباب والقاصرين إلى العائلات والبالغين
من بين التفاصيل المهمة التي تكشفها الوثيقة التغير في التركيبة الاجتماعية والعمرية للأشخاص الذين حاولوا الوصول إلى سبتة.
فخلال ماي 2021، كانت الفئات الأكثر حضوراً، وفق التصنيف الوارد في الوثيقة، هي الشباب والذكور والقاصرون الأجانب غير المصحوبين بذويهم، مع وجود أعداد من العائلات.
وخلال أحداث 2024، تركزت التركيبة أساساً على الشباب والقاصرين غير المصحوبين.
لكن صورة يوليوز 2026 تبدو أكثر تنوعاً، إذ ترصد الوثيقة ثلاث فئات رئيسية:
- الشباب والقاصرون غير المصحوبين بذويهم.
- العائلات والبالغون والقاصرون.
- الشباب والقاصرون ضمن مجموعات أخرى من المشاركين.
ويعني ذلك أن موجة يوليوز 2026 لم تقتصر على فئة الشباب، بل شملت أيضاً عائلات وأطفالاً وبالغين، الأمر الذي يطرح تحديات إضافية أمام السلطات الإسبانية من الناحية الإنسانية والاجتماعية، خصوصاً فيما يتعلق بإيواء القاصرين وحمايتهم وتوفير الرعاية اللازمة لهم.
سابعاً: السباحة وتسلق السياج.. وسائل العبور لم تتغير
على الرغم من الاختلافات الأمنية والسياسية بين الأزمات الثلاث، فإن الوثيقة تشير إلى استمرار استخدام وسيلتين أساسيتين للوصول إلى سبتة:
الأولى هي السباحة، عبر محاولة الوصول إلى السواحل المحيطة بالمدينة انطلاقاً من الجانب المغربي.
والثانية هي تسلق السياج الحدودي، في محاولة لتجاوز الحاجز الفاصل بين سبتة ومحيطها المغربي.
وبذلك، لم تسجل الوثيقة اختلافاً جوهرياً في وسائل العبور بين 2021 و2024 و2026، بقدر ما ركزت على اختلاف حجم الانتشار الأمني وطبيعة التدخل وتركيبة المشاركين.
ماذا تعني هذه المقارنة بالنسبة إلى العلاقات المغربية الإسبانية؟
تكتسب هذه الوثيقة أهمية خاصة لأنها تقدم قراءة أمنية إسبانية تربط بين تدبير الحدود المغربية وحجم تدفقات الهجرة نحو سبتة.
فمن جهة، تعتبر الشرطة الإسبانية أن التعاون الأمني المغربي كان عاملاً مؤثراً في احتواء محاولات الدخول خلال 2024، عندما ارتفع مستوى الانتشار الأمني.
ومن جهة أخرى، ترى أن انخفاض الحضور الأمني خلال 2021 و2026 تزامن مع موجات دخول جماعي أكبر.
وهذا يفتح النقاش حول مدى ارتباط إدارة الحدود بالتوازنات السياسية والدبلوماسية بين الرباط ومدريد، ومدى تأثير العلاقات الثنائية في مستوى التنسيق الأمني.
لكن ينبغي عدم تحويل هذه الاستنتاجات إلى أحكام قطعية بشأن نوايا المغرب، لأن الوثيقة تعكس وجهة نظر جهاز أمني إسباني، ولا تقدم بمفردها أدلة نهائية على وجود قرار رسمي مغربي باستخدام الهجرة وسيلة للضغط السياسي.
الخلاصة: ثلاث أزمات وتفسير أمني واحد
تقدم وثيقة المركز الوطني للهجرة والحدود مقارنة واضحة بين ثلاث مراحل مختلفة من تاريخ محاولات الدخول الجماعي إلى سبتة.
ففي سنة 2021، تزامنت الأزمة مع توتر سياسي حاد بين المغرب وإسبانيا، وانخفاض الحضور الأمني المغربي، وفق تقييم الشرطة الإسبانية.
وفي سنة 2024، ساهم ارتفاع الانتشار الأمني والتدخل لاحتواء المحاولات في الحد من عدد القاصرين الذين تمكنوا من الوصول إلى المدينة.
أما في يوليوز 2026، فتسجل الوثيقة عودة مؤشرات مشابهة لما حدث سنة 2021، مع انخفاض الحضور الأمني المغربي، وتنوع أكبر في الفئات المشاركة، ووصول عدد القاصرين إلى نحو 3000، بحسب الأرقام التي أوردها التقرير.
وبين هذه المراحل الثلاث، تحاول الشرطة الإسبانية إبراز الدور الحاسم الذي تلعبه إدارة الحدود والتنسيق الأمني في تحديد حجم تدفقات الهجرة نحو سبتة، في وقت لا تزال فيه العلاقة بين الملفات السياسية والأمنية والهجرة واحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقات بين المغرب وإسبانيا.



