مغاربة إسبانيا – أخبار إسبانيا
عاد ملف المأساة التي شهدها السياج الحدودي لمدينة مليلية في يونيو 2022 إلى الواجهة، بعد إعلان منظمة حقوقية عن الطعن في قرار قضائي يقضي بالحفظ المؤقت لشكوى تقدم بها مهاجر سوداني ناجٍ من الأحداث، يتهم فيها عناصر من الحرس المدني الإسباني بممارسة التعذيب والاعتداء عليه أثناء توقيفه.
وتسعى منظمة إيريديا (Irídia)، المتخصصة في الدفاع عن حقوق الإنسان، إلى إعادة فتح التحقيق في القضية، معتبرة أن قرار الحفظ اتُّخذ دون الاستماع إلى الضحية أو تنفيذ عدد من الإجراءات التي طالبت بها هيئة الدفاع لتحديد هويات العناصر الأمنية المعنية.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «إل دياريو» الإسبانية، فإن القاضي أقر بوجود مؤشرات على أفعال قد تشكل جرائم، لكنه قرر الحفظ المؤقت للشكوى لعدم تمكنه من إسناد المسؤولية إلى أشخاص محددين.
مأساة مليلية.. أحداث دامية لا تزال تثير الجدل
تعود القضية إلى فجر 24 يونيو 2022، عندما توجه مئات الأشخاص، معظمهم من السودانيين، من الأراضي المغربية نحو السياج الحدودي لمليلية، في محاولة للوصول إلى المدينة وطلب اللجوء في إسبانيا.
وشهدت المنطقة تدخلًا أمنيًا مغربيًا وإسبانيًا عنيفًا، وفق روايات وشهادات وثقتها منظمات حقوقية ووسائل إعلام. وأصبحت الأحداث واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في النقاش الإسباني والأوروبي حول مراقبة الحدود وحقوق المهاجرين.
ووفق الأرقام التي أوردها التقرير، أسفرت المأساة عن مقتل 37 شخصًا، فيما لا يزال 76 شخصًا في عداد المفقودين، كما أُعيد نحو 470 شخصًا إلى المغرب بصورة فورية.
وأعادت القضية إلى الواجهة تساؤلات بشأن ظروف التدخل الأمني، ومدى احترام حقوق الأشخاص الذين حاولوا عبور الحدود، والمسؤولية عن التعامل مع المصابين والموقوفين خلال تلك الأحداث.
ناجٍ سوداني يروي تفاصيل تعرضه للاعتداء
بحسب التقرير، تقدم مهاجر سوداني يُدعى مهامات بشكوى قضائية يتهم فيها عناصر من الحرس المدني الإسباني بتعذيبه والاعتداء عليه أثناء توقيفه في محيط السياج الحدودي.
وقال الناجي إنه تعرض لضربات على مستوى الرأس تسببت له في إصابة دماغية وفقدان الوعي، مضيفًا أنه تعرض للضرب رغم تقييد يديه خلف ظهره.
كما أفاد بأنه أظهر لأحد عناصر الحرس المدني وثيقة تثبت تمتعه بصفة لاجئ معترف بها من طرف المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إلا أن العنصر، وفق روايته، مزق الوثيقة واستولى على شاحن هاتفه.
وتحدث مهامات كذلك عن مشاهد مؤلمة عاشها خلال الأحداث، مشيرًا إلى أنه شاهد أشخاصًا مصابين وآخرين لم يعودوا يتحركون، كما فقد صديقًا مقربًا كان قد توجه معه نحو المعبر الحدودي.
وتتضمن الشكوى، وفق التقرير، اتهامات بارتكاب أفعال قد تشكل جرائم التعذيب والإيذاء الجسدي المشدد والامتناع عن تقديم المساعدة الواجبة والتجاوز في استعمال السلطة، مع المطالبة بأخذ الدوافع العنصرية وإساءة استعمال الصفة الرسمية في الاعتبار.
وتظل هذه الادعاءات موضوع نزاع قضائي، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها وقائع ثبتت نهائيًا بحكم قضائي.
منظمة حقوقية تطعن في قرار حفظ القضية
أعلنت منظمة «إيريديا» الحقوقية، خلال فعالية أقيمت في برشلونة، تقديم طعن ضد قرار الحفظ المؤقت للشكوى، بهدف استئناف التحقيق في ملابسات الاعتداءات المزعومة وتحديد المسؤولين عنها.
وانتقدت المحامية لورا ميدينا، التي تعمل على الملف، المدة التي استغرقها القضاء لفتح الإجراءات، قبل أن يقرر حفظ القضية دون الاستماع إلى إفادة مهامات، بحسب ما نقلته الصحيفة.
كما اعترضت المنظمة على عدم تنفيذ إجراءات تحقيق قالت إنها ضرورية لتحديد هوية العناصر الأمنية التي شاركت في العملية، من بينها تحليل تسجيلات الفيديو التي توثق أحداث ذلك اليوم ومراجعة جدول توزيع عناصر الجهاز الأمني المكلف بالتدخل.
وأشارت المنظمة أيضًا إلى أن طلب ضم القضية إلى تحقيق آخر يتعلق بالأحداث نفسها لم يُحسم بالشكل الذي كانت تطالب به هيئة الدفاع.
وتعمل «إيريديا» على الملف بالتعاون مع المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان (ECCHR)، ومنظمة «برو أزيل» (Pro Asyl)، وصندوق الحرية الرقمية (Digital Freedom Fund).
وترى الجهات المدافعة عن الناجي أن استمرار التحقيق يظل ضروريًا لتوضيح ملابسات ما حدث وتحديد المسؤوليات المحتملة، في وقت لا يزال فيه ملف أحداث مليلية يثير مطالبات حقوقية بتحقيق العدالة للضحايا والناجين.
من السودان إلى أوروبا.. رحلة طويلة بحثًا عن الأمان
تكشف قصة مهامات عن جانب من الظروف القاسية التي يعيشها بعض الأشخاص الذين يضطرون إلى مغادرة بلدانهم هربًا من الحروب والعنف.
فبحسب التقرير، غادر السودان وهو في السابعة من عمره برفقة أسرته، قبل أن ينتقل إلى مخيمات اللاجئين في تشاد، حيث تمكن من متابعة دراسته الجامعية في الاقتصاد.
لكن رحلته لم تنته هناك؛ إذ اضطر إلى الفرار مجددًا بسبب العنف، وانتقل لاحقًا إلى ليبيا، حيث أفاد بأنه تعرض للاختطاف على يد مجموعة مسلحة والاحتجاز على خلفية مشاركته في احتجاجات ضد السياسات المتعلقة بالهجرة.
وبعد مغادرته ليبيا وعبوره الجزائر، وصل إلى المغرب عام 2022، على أمل الوصول إلى أوروبا.
وعقب نجاته من أحداث مليلية، تمكن من الوصول إلى جزيرة لامبيدوزا الإيطالية على متن قارب، قبل أن يحصل عام 2025 على تصريح إقامة بموجب الحماية الفرعية. ويقيم حاليًا في روما، حيث يواصل نشاطه في الدفاع عن حقوق اللاجئين والمهاجرين من خلال منظمة «Refugees in Libya» التي أسسها.
هل تعود قضية أحداث مليلية إلى التحقيق؟
يمثل الطعن الذي تقدمت به منظمة «إيريديا» خطوة جديدة في المسار القضائي للقضية، إذ تسعى الجهات المدافعة عن الناجي السوداني إلى إعادة فتح الملف وتنفيذ إجراءات التحقيق التي ترى أنها ضرورية لكشف ملابسات ما جرى.
وتسلط القضية الضوء مجددًا على التحديات المرتبطة بمساءلة المسؤولين عن الانتهاكات المزعومة عند الحدود، وعلى أهمية توفير آليات فعالة تتيح للضحايا تقديم شكاواهم والوصول إلى العدالة.
وبينما لا يزال قرار الحفظ المؤقت قائمًا في انتظار البت في الطعن، تبقى القضية جزءًا من النقاش الأوسع في إسبانيا وأوروبا بشأن إدارة الحدود، وحماية الحق في طلب اللجوء، وضمان احترام حقوق الإنسان في العمليات الأمنية..



