تقرير: مغاربة إسبانيا
أثار الاتفاق الذي يتيح لشركة «مرسى ماروك» المغربية الاستحواذ على حصة مهمة في شركة «بولودا ماريتايم تيرمينالز» الإسبانية موجة من الجدل في جزر الكناري، بعدما دخلت الصفقة دائرة التدقيق الأمني في مدريد، وسط مخاوف من تداعياتها المحتملة على الأمن القومي الإسباني والمصالح الاستراتيجية في المحيط الأطلسي.
وبحسب ما أورده موقع «ليبرتاد ديجيتال» الإسباني، في تقرير نشره يوم 26 أكتوبر 2026، لا تزال الصفقة تواجه عراقيل بسبب مراجعة الجهات الإسبانية المختصة، وفي مقدمتها مركز الاستخبارات الوطني الإسباني (CNI)، الذي يشارك في تقييم المخاطر المرتبطة بدخول شركة مرتبطة بالدولة المغربية إلى قطاع الموانئ الاستراتيجية في الأرخبيل.
صفقة بـ80 مليون يورو تشعل الجدل
تتمثل الصفقة في استحواذ شركة «مرسى ماروك»، المملوكة للدولة المغربية، على 45 في المائة من رأسمال شركة «بولودا ماريتايم تيرمينالز»، مقابل نحو 80 مليون يورو، وفقاً للتقارير الإسبانية.
وتدير الشركة الإسبانية محطات لتداول البضائع في عدد من الموانئ، من بينها موانئ لاس بالماس وتينيريفي ولا بالما ولانزاروتي وفويرتيفنتورا، ما يجعل العملية تتجاوز، في نظر الجهات المتحفظة عليها، مجرد استثمار تجاري عادي.
ومن المهم التوضيح أن الأمر لا يتعلق ببيع الموانئ الإسبانية نفسها إلى المغرب، بل ببيع حصة في شركة خاصة تستغل محطات مينائية بموجب امتيازات إدارية، مع احتفاظ مجموعة بولودا بحصة الأغلبية البالغة 55 في المائة.
ورغم ذلك، فإن دخول شركة مرتبطة بالدولة المغربية إلى هذا القطاع يثير تساؤلات بشأن طبيعة المعلومات التي يمكن الاطلاع عليها، وحدود النفوذ الذي قد تتيحه المشاركة في رأسمال الشركة.
لماذا تخشى مدريد على أمنها القومي؟
تنبع أبرز المخاوف الإسبانية من الموقع الاستراتيجي لجزر الكناري، التي تشكل نقطة محورية في طرق الملاحة البحرية بين أوروبا وإفريقيا والأمريكيتين، فضلاً عن أهميتها في تأمين الإمدادات والعمليات اللوجستية.
وتتيح إدارة المحطات المينائية الاطلاع على معلومات مرتبطة بحركة السفن، وتدفق البضائع، ومواعيد الوصول والمغادرة، والأنشطة اللوجستية. وترى الجهات المتحفظة على الصفقة أن الوصول إلى بعض هذه المعطيات قد يكتسي أهمية استراتيجية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بحركة سفن الدولة والأنشطة ذات الصلة بالدفاع والأمن.
ولهذا، تخضع العملية لمراجعة في إطار آلية مراقبة الاستثمارات الأجنبية، بمشاركة جهات حكومية وأمنية إسبانية، من بينها وزارة الدفاع ومركز الاستخبارات الوطني.
غير أن وجود الصفقة قيد المراجعة لا يعني أن السلطات الإسبانية أعلنت ثبوت تسريب معلومات عسكرية أو وجود تهديد مؤكد؛ بل يتعلق الأمر بتقييم المخاطر المحتملة قبل اتخاذ قرار بشأن السماح بإتمام الاستثمار.
بولودا ترد وتلوّح باللجوء إلى القضاء
في المقابل، رفضت مجموعة بولودا الانتقادات الموجهة إلى الصفقة، ودافعت عن دخول الشريك المغربي، معتبرة أن التحفظات التي أبدتها بعض المؤسسات المحلية تنطوي على مبالغة غير مبررة.
ونقل التقرير عن خافيير كليمنت ميليان، المدير العام لشركة «بولودا شيبينغ» في جزر الكناري، انتقاده لما وصفه بالتهويل بشأن دخول «مرسى ماروك» إلى رأسمال الشركة.
وتؤكد المجموعة أن الشريك المغربي سيحصل على حصة أقلية، ولن يمتلك بموجبها سلطة منفردة لتسيير المحطات أو التحكم في العمليات التشغيلية، مشيرة إلى أن بولودا ستحتفظ بالأغلبية في رأسمال الشركة.
كما شددت الشركة على ارتباطها الاقتصادي بجزر الكناري، مبرزة استثمارات تجاوزت 250 مليون يورو في الأرخبيل، وفقاً لما أورده التقرير.
ولم تستبعد المجموعة اللجوء إلى القضاء إذا استمر تعطيل الصفقة، في خطوة قد تنقل الخلاف من مستوى النقاش الاقتصادي والسياسي إلى مواجهة قانونية مع الجهات التي تعرقل إتمامها.
جزر الكناري تخشى منافسة الموانئ المغربية
لا تتوقف التحفظات عند الجوانب الأمنية، بل تمتد إلى مستقبل المنافسة التجارية بين الموانئ الإسبانية ونظيرتها المغربية.
ومن أبرز الملفات المطروحة مشروع ميناء الداخلة الأطلسي، الذي تعمل المغرب على تطويره في الصحراء الغربية، بهدف تعزيز موقعها في شبكات النقل البحري والتجارة الدولية.
وتخشى أطراف في جزر الكناري أن يؤدي تطوير البنية التحتية المينائية المغربية إلى زيادة المنافسة على حركة الحاويات وخدمات إعادة الشحن والاستثمارات اللوجستية، وهي أنشطة تمثل أهمية اقتصادية لموانئ الأرخبيل.
وتزداد حساسية هذا الملف مع احتمال دخول «مرسى ماروك» شريكاً في شركة تنشط داخل الموانئ الكنارية، بينما تعمل الشركة المغربية في الوقت نفسه على توسيع حضورها في القطاع المينائي.
ومع ذلك، فإن تأثير ميناء الداخلة المستقبلي على حركة التجارة في جزر الكناري يظل مرتبطاً بتطور المشروع وظروف السوق وشبكات النقل، ولا يمكن اعتباره خسارة تجارية تحققت بالفعل.
الخلاف يتجاوز الاقتصاد إلى حسابات النفوذ في الأطلسي
وتعارض مؤسسات محلية في جزر الكناري الصفقة، وفي مقدمتها مجلسا جزيرتي غران كناريا وتينيريفي، بسبب مخاوف تتعلق بالتنافسية الاقتصادية واستقلالية القرار اللوجستي وحماية المصالح الاستراتيجية للأرخبيل.
وفي المقابل، ترى بولودا أن استمرار نشاطها واستثماراتها في المنطقة، مع احتفاظها بحصة الأغلبية، يبرران عدم التعامل مع الصفقة باعتبارها تهديداً لمصالح جزر الكناري.
وبين الموقفين، تجد الحكومة الإسبانية نفسها أمام اختبار صعب: كيف توازن بين حرية الاستثمار والتعاون التجاري الدولي من جهة، ومتطلبات الأمن القومي وحماية البنية التحتية الحيوية من جهة أخرى؟
القرار النهائي بيد الحكومة الإسبانية
حتى 26 أكتوبر 2026، لا تزال الصفقة تنتظر استكمال المراجعة الإسبانية، وفقاً للتقارير المنشورة، ولم يُعلن عن منح الترخيص النهائي الذي يسمح بإتمامها.
وتبقى الأنظار متجهة إلى قرار السلطات في مدريد، الذي سيحدد ما إذا كان دخول «مرسى ماروك» إلى رأسمال «بولودا ماريتايم تيرمينالز» سيتم بالشروط المتفق عليها، أو سيخضع لقيود إضافية، أو سيُرفض إذا خلص التقييم الرسمي إلى وجود مخاطر لا يمكن معالجتها.
وهكذا، تحولت صفقة تجارية بقيمة 80 مليون يورو إلى ملف تتداخل فيه المصالح الاقتصادية والحسابات الأمنية والتنافس على طرق التجارة في المحيط الأطلسي، في انتظار ما ستقرره الحكومة الإسبانية.



