ندوة في برشلونة تفتح النقاش حول تراجع مركزية المنظور الأوروبي، ومصداقية الاتحاد الأوروبي في ظل حرب غزة، والتحولات الجيوسياسية التي تعيد رسم موازين النفوذ في المنطقة.
لم تعد العلاقات بين أوروبا وجوارها المتوسطي قابلة للفهم من زاوية واحدة، أو وفق التصورات التي حكمتها لعقود. ففي منطقة تتغير فيها موازين القوة، وتتعدد فيها مراكز التأثير، وتتزايد فيها الخلافات بشأن النظام الدولي وشرعية السياسات الخارجية، بات من الضروري طرح سؤال مختلف: كيف تنظر دول وشعوب المتوسط إلى أوروبا اليوم، وكيف تؤثر هذه النظرة في موقعها ودورها الإقليمي والدولي؟
هذا السؤال شكّل محور المحاضرة الافتتاحية لسلسلة «Aula Mediterrània» للموسم الأكاديمي 2026–2027، التي احتضنها المعهد الأوروبي للمتوسط (IEMed) في برشلونة يوم الخميس 15 أكتوبر الجاري، تحت عنوان «المرآة يا مرآتي: عكس النظرة وإعادة التفكير في العلاقات الأورومتوسطية».
وقدمت الباحثة والمستشارة الدولية في مجال البحث والسياسات العامة ميشيل بيس تصوراً يدعو إلى تجاوز النظرة التقليدية التي تضع أوروبا في موقع الطرف الذي يصوغ قواعد التعاون ويحدد نماذج الحوكمة، مقابل جوار جنوبي يُنظر إليه غالباً باعتباره مجالاً لتطبيق تلك التصورات.
الرهان، وفق المقاربة التي طرحتها المحاضرة، هو الانتقال من سؤال كيفية تشكيل أوروبا للمتوسط إلى بحث الكيفية التي يعيد بها الفاعلون المتوسطيون والدوليون تفسير أوروبا نفسها، ومساءلة خياراتها، والتأثير في موقعها ضمن النظام الدولي المتغير.
من شراكة غير متكافئة إلى علاقة متبادلة التأثير
منذ إطلاق مسار برشلونة عام 1995، شكلت العلاقات الأورومتوسطية إطاراً رئيسياً للحوار والتعاون بين الاتحاد الأوروبي ودول جنوب المتوسط. وشملت هذه العلاقة ملفات التنمية الاقتصادية، والتبادل التجاري، والأمن، والهجرة، والحوار السياسي والثقافي.
غير أن استمرار التفاوت في الإمكانات الاقتصادية والسياسية، إلى جانب الاختلاف في أولويات الطرفين، جعل مسألة التكافؤ في هذه الشراكة موضع نقاش متكرر.
فأوروبا لا تزال تمتلك أدوات اقتصادية ومؤسساتية مؤثرة، كما تملك قدرة كبيرة على صياغة المعايير المرتبطة بالتجارة والحوكمة والتعاون. لكن هذه المكانة لا تعني أن دول جنوب المتوسط تظل مجرد أطراف تتلقى القرارات أو تتكيف معها؛ إذ باتت التحولات الدولية تمنح الفاعلين الإقليميين هامشاً أوسع للمناورة، وتتيح لهم تنويع علاقاتهم وشراكاتهم.
وتعكس هذه التحولات تغيراً في طبيعة التفاعل بين الضفتين، حيث لم تعد الملفات المتوسطية شأناً أوروبياً خالصاً، بل أصبحت مرتبطة بمنافسة دولية أوسع، تتداخل فيها المصالح الاقتصادية والطاقة والأمن والدبلوماسية.
ومن هذا المنطلق، فإن إعادة التفكير في العلاقات الأورومتوسطية تقتضي الاعتراف بأن النفوذ لم يعد يتحرك في اتجاه واحد، وأن قرارات أوروبا نفسها أصبحت تتأثر بمواقف شركائها وبالبدائل التي تتوافر أمامهم.
فلسطين واختبار المصداقية الأوروبية
تحتل القضية الفلسطينية موقعاً بارزاً في النقاش المتعلق بصورة أوروبا ومصداقية سياستها الخارجية. فالمواقف الأوروبية من الحرب في غزة، ومدى اتساقها مع المبادئ المعلنة بشأن القانون الدولي وحقوق الإنسان، أصبحت جزءاً من الطريقة التي تُقيَّم بها السياسة الأوروبية في أجزاء واسعة من المنطقة.
ولا يتعلق الأمر هنا بالتصريحات الرسمية وحدها، بل أيضاً بمدى التوافق بين الخطاب والممارسة، وبقدرة المؤسسات الأوروبية على التعامل مع الأزمات الدولية وفق معايير واضحة ومتسقة.
فحين تؤكد أوروبا التزامها بحماية المدنيين واحترام القانون الدولي، تصبح طريقة تطبيق هذه المبادئ في النزاعات المختلفة عاملاً مؤثراً في مستوى الثقة بها. وفي المقابل، يمكن أن يؤدي اختلاف المواقف أو التباين في الاستجابة للأزمات إلى تعميق التساؤلات بشأن طبيعة المعايير التي تستند إليها سياستها الخارجية.
ومن المهم، في هذا السياق، التمييز بين مواقف الدول الأوروبية المختلفة ومواقف مؤسسات الاتحاد الأوروبي؛ إذ لا تتطابق بالضرورة سياسات جميع الحكومات، كما أن آليات اتخاذ القرار الأوروبي تفرض أحياناً توازنات واختلافات بين الدول الأعضاء.
لكن هذا التعدد لا يلغي السؤال الأساسي الذي تطرحه المقاربة النقدية للعلاقات الأورومتوسطية: إلى أي مدى تستطيع أوروبا الحفاظ على قدرتها على التأثير حين تصبح مصداقية خطابها موضع نقاش لدى شركائها؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا ترتبط بالقضية الفلسطينية وحدها، بل تمتد إلى ملفات أخرى تشمل الهجرة، والتعاون الأمني، والعلاقات الاقتصادية، والتعامل مع الأزمات الإنسانية.
دبلوماسية إقليمية في عالم متعدد المراكز
تتزامن إعادة النظر في العلاقات الأورومتوسطية مع تحولات أوسع في النظام الدولي، حيث تتزايد أهمية الشراكات المتعددة، وتتداخل المنافسة الاقتصادية مع الاعتبارات الاستراتيجية، وتبحث الدول عن توسيع هامش استقلالية قراراتها الخارجية.
وفي هذا السياق، لم يعد المتوسط مجرد فضاء جغرافي يفصل أوروبا عن شمال إفريقيا والشرق الأوسط، بل أصبح مجالاً تتقاطع فيه مشاريع سياسية ورؤى مختلفة لمستقبل النظام الدولي.
وتشمل هذه التحولات أشكالاً جديدة من الدبلوماسية الإقليمية، وتطوير شبكات الربط والتواصل، وتوسيع التعاون الاقتصادي، إلى جانب النقاش المتزايد حول الاستقلالية الاستراتيجية وقدرة الدول على حماية مصالحها في بيئة دولية متغيرة.
وبالنسبة إلى أوروبا، فإن التحدي يتمثل في الحفاظ على دور مؤثر في هذه البيئة من دون التعامل مع محيطها وفق افتراض أن النماذج الأوروبية هي المرجعية الوحيدة لتنظيم العلاقات السياسية والاقتصادية.
أما دول جنوب المتوسط، فتجد نفسها أمام فرصة لتوسيع حضورها في النقاشات الإقليمية والدولية، مع استمرار حاجتها إلى التعاون في ملفات مشتركة، من بينها التنمية والتجارة والطاقة والتغير المناخي والهجرة.
غير أن بناء علاقة أكثر توازناً لا يتحقق بمجرد تغيير الخطاب؛ بل يحتاج إلى آليات مؤسساتية تتيح المشاركة الفعلية في تحديد الأولويات، وإلى تفاهمات تراعي المصالح المتبادلة، وإلى استعداد للتعامل مع الاختلاف باعتباره جزءاً من العلاقة لا عقبة ينبغي تجاوزها شكلياً.
المغرب وإسبانيا: شراكة تختبرها المصالح المشتركة
تكتسب هذه النقاشات أهمية خاصة بالنسبة إلى المغرب وإسبانيا، بحكم القرب الجغرافي والتداخل الاقتصادي والروابط الإنسانية والاجتماعية التي تجمع البلدين.
فالعلاقة بين الرباط ومدريد تتجاوز التبادل الدبلوماسي التقليدي، لتشمل التجارة والاستثمار والهجرة والأمن وإدارة الحدود والتعاون في ملفات إقليمية أوسع. كما يرتبط البلدان بشبكات اقتصادية وبشرية تجعل استقرار العلاقة بينهما عاملاً مهماً في الضفتين.
لكن هذا التشابك لا يعني غياب الاختلافات. فملفات الهجرة، وسبتة ومليلية، والصحراء المغربية، والتعاون الأمني، وغيرها من القضايا، تظل مرتبطة بحسابات سياسية وقانونية واستراتيجية تتباين بشأنها المواقف والتصورات.
ومن هنا، يمكن الاستفادة من النقاش الذي أثارته ندوة برشلونة لفهم العلاقات المغربية الإسبانية باعتبارها نموذجاً لعلاقة لا يمكن اختزالها في ثنائية المانح والمتلقي، أو في تصور أن طرفاً واحداً يملك وحده تحديد شروط التعاون.
فالمغرب، شأنه شأن بقية دول المنطقة، يتعامل مع محيط دولي متغير، ويعمل على تطوير شراكاته وفق أولوياته ومصالحه. وفي المقابل، تحتاج إسبانيا والاتحاد الأوروبي إلى علاقات مستقرة وفعالة مع دول جنوب المتوسط، بالنظر إلى الترابط الاقتصادي والجغرافي والتحديات المشتركة.
ويظل التحدي أمام الطرفين هو تحويل هذا الاعتماد المتبادل إلى تعاون أكثر استقراراً، يقوم على وضوح المصالح واحترام الالتزامات والقدرة على إدارة الخلافات، بدلاً من تركها تتراكم أو تتحول إلى مصدر توتر دائم.
ميشيل بيس: مقاربة تجمع السياسة العالمية والنظرية الاجتماعية
تستند المحاضرة إلى المسار البحثي لميشيل بيس، التي شغلت سابقاً منصب أستاذة الدراسات العالمية في جامعة روسكيلد الدنماركية، وتعمل مستشارة دولية متخصصة في البحث والسياسات العامة.
وترتبط بيس حالياً بعدد من المؤسسات البحثية والأكاديمية، من بينها مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة ديكين الأسترالية، وبرنامج أوروبا في مركز تشاتام هاوس بلندن، ومركز أبحاث المجتمع والصحة النفسية في كلية كينغز لندن، إضافة إلى مركز الدراسات المتقدمة للشرق الأوسط في جامعة لوند السويدية ومركز دراسات اللاجئين بجامعة أكسفورد.
وتجمع مقاربتها البحثية بين السياسة العالمية وعلم الاجتماع والنظرية الاجتماعية النقدية، مع اهتمام بالأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية للصراعات والنزوح وعدم المساواة.
وفي كتابها الصادر عام 2025 بعنوان «غير مرحب به في الدنمارك: التحول في النموذج واندماج اللاجئين»، تناولت بيس نظام الهجرة الدنماركي من خلال تجارب الأشخاص المتأثرين بسياساته، وهو ما يعكس اهتماماً بتجاوز التحليل المؤسسي المجرد نحو دراسة آثار السياسات في حياة الأفراد والمجتمعات.
وأدارت الجلسة إليزابيث يوهانسون-نوغيس، أستاذة البحث وحاملة كرسي جان مونيه في معهد برشلونة للدراسات الدولية (IBEI)، ونُظمت المحاضرة بالتعاون مع برامج الماجستير التابعة للمعهد.
نحو شراكة متوسطية تتجاوز الإرث التقليدي
تطرح إعادة النظر في العلاقات الأورومتوسطية سؤالاً يتجاوز حدود الدبلوماسية التقليدية: هل تستطيع أوروبا بناء شراكة مع جنوب المتوسط تستند إلى الاعتراف المتبادل بالمصالح والقدرة على التأثير، بدلاً من الاكتفاء بتصدير المعايير أو إدارة الملفات من منظور أوروبي؟
لا توجد إجابة بسيطة عن هذا السؤال، خصوصاً في منطقة تتشابك فيها النزاعات مع المصالح الاقتصادية والأمنية، وتتباين فيها أولويات الحكومات والمجتمعات.
لكن ما يبدو واضحاً هو أن استمرار التعاون يحتاج إلى فهم أعمق للتحولات التي تشهدها المنطقة، وإلى استعداد أكبر للاستماع إلى وجهات النظر المختلفة، والتعامل مع القضايا الخلافية على أساس الوقائع والالتزامات المتفق عليها.
وفي نهاية المطاف، لا تتحدد مكانة أوروبا في المتوسط بما تملكه من أدوات اقتصادية ومؤسساتية فحسب، بل أيضاً بقدرتها على بناء الثقة والحفاظ على مصداقية مواقفها، واستيعاب أن شركاءها ليسوا مجرد أطراف في سياسات تُصاغ خارج المنطقة، بل فاعلون يمتلكون مصالحهم ورؤاهم وقدرتهم على التأثير.
وقد يكون قلب زاوية النظر، كما تقترح محاضرة برشلونة، خطوة ضرورية لفهم مستقبل العلاقة بين الضفتين: ليس فقط كيف تريد أوروبا أن يُنظر إليها، بل كيف يراها الآخرون، وما الذي تكشفه هذه الصورة عن طبيعة الشراكة التي يمكن بناؤها في السنوات المقبلة.

