في خطوة قد تفتح الباب أمام تغييرات مهمة في بنية الاقتصاد المغربي، كشف فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، عن توجه حكومي يرمي إلى مراجعة نظام منح الرخص والامتيازات الاقتصادية، والانتقال تدريجياً من نظام المأذونيات التقليدي، المعروف شعبياً باسم «الكريمات»، إلى نظام جديد يعتمد على دفاتر تحملات واضحة ومحددة.
وجاء هذا الإعلان خلال مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027 بمجلس النواب، في سياق نقاش برلماني حول طرق منح رخص استغلال الثروات والموارد الاقتصادية، خصوصاً في قطاعي الصيد البحري واستغلال مقالع الرمال.
ويأتي هذا التوجه في وقت يتزايد فيه النقاش داخل المغرب بشأن الاقتصاد الريعي، ومدى تكافؤ الفرص في الولوج إلى الأنشطة الاقتصادية التي ظلت لعقود مرتبطة بتراخيص وامتيازات إدارية خاصة.
دفاتر التحملات بدل نظام الرخص التقليدي
وأوضح فوزي لقجع أن الحكومة تتجه نحو إحداث إصلاح اقتصادي عميق، يقوم على تعويض نظام الرخص بدفاتر تحملات تحدد الشروط والالتزامات المطلوبة من المستثمرين الراغبين في ممارسة أنشطة اقتصادية مختلفة.
ويقوم التصور المطروح على تمكين الأشخاص الذين يتوفرون على الإمكانيات والمؤهلات اللازمة من الاستثمار في القطاعات التي يختارونها، شريطة الالتزام بالشروط القانونية والتنظيمية التي ستحددها دفاتر التحملات.
ويعني هذا التوجه، من حيث المبدأ، الانتقال من نموذج يمنح فيه الحق في استغلال بعض الأنشطة الاقتصادية عبر تراخيص إدارية ذات طابع امتيازي، إلى نموذج أكثر انفتاحاً، تصبح فيه شروط الاستثمار والقدرة على احترام الالتزامات أساساً للولوج إلى هذه القطاعات.
الصيد البحري ومقالع الرمال في صلب الإصلاح
لم يأت هذا النقاش من فراغ، فقد أثار هشام الصابري، رئيس فريق الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب، إشكالية توزيع رخص الصيد البحري واستغلال مقالع الرمال، متسائلاً عن المعايير التي تحكم منح هذه الامتيازات، ومدى احترامها لمبدأ تكافؤ الفرص بين المستثمرين.
كما سلط النقاش البرلماني الضوء على الاختلالات التي يمكن أن تنتج عن غياب الشفافية في بعض مساطر منح الرخص واستمرار استغلالها، وما يرافق ذلك من تساؤلات بشأن المراقبة والتصريح بالمداخيل والالتزامات الضريبية.
ومن شأن اعتماد دفاتر تحملات محددة أن يفتح المجال أمام مستثمرين جدد، ويجعل الاستفادة من فرص استغلال الموارد الاقتصادية مرتبطة بشروط معلنة، بدلاً من استمرار الاعتماد على نظام الامتيازات التقليدي.
هل يشمل الإصلاح «كريمات» سيارات الأجرة؟
من بين أكثر الأسئلة التي يطرحها الإعلان الحكومي، مدى إمكانية امتداد هذا الإصلاح إلى المأذونيات المرتبطة بقطاع سيارات الأجرة، والتي تعرف في المغرب باسم «الكريمات».
فهذا النظام ظل لسنوات موضوع نقاش اجتماعي واقتصادي، بسبب الطريقة التي تمنح بها المأذونيات، وطبيعة العلاقة بين المستفيد من الرخصة والسائق المهني، فضلاً عن الإشكالات المرتبطة باستمرار الاستغلال بعد وفاة صاحب المأذونية.
وكانت وزارة الداخلية قد اتخذت، في غشت 2022، إجراءات لتنظيم تحويل مأذونيات سيارات الأجرة، والحد من انتقالها التلقائي إلى الورثة، مع إخضاع طلبات استمرار الاستغلال لشروط ومساطر إدارية محددة.
ومع ذلك، لا يوجد ما يسمح بالجزم بأن الإعلان الأخير يعني إلغاء جميع مأذونيات سيارات الأجرة بشكل فوري، أو أن تفاصيل إدماج هذا القطاع في النظام الجديد قد حُسمت نهائياً.
هل انتهى زمن الاقتصاد الريعي في المغرب؟
إذا جرى تنزيل هذا التوجه على أرض الواقع، فقد يشكل خطوة مهمة نحو إعادة تنظيم عدد من القطاعات الاقتصادية التي ارتبطت تاريخياً بنظام الرخص والامتيازات.
فالإشكال لا يتعلق فقط بطريقة منح التراخيص، بل يمتد إلى طبيعة توزيع الفرص الاقتصادية، ومدى قدرة المقاولات الصغيرة والمتوسطة والمستثمرين الجدد على الولوج إلى قطاعات ظلت فرص الاستثمار فيها محدودة أمام فئات واسعة من المجتمع.
كما أن نجاح الإصلاح لن يقاس بمجرد استبدال الرخص بدفاتر تحملات، بل بمدى ضمان المنافسة الحقيقية، وشفافية شروط الاستفادة، ووجود آليات فعالة للمراقبة والمحاسبة.
ويظل التحدي الأكبر هو ألا تتحول دفاتر التحملات إلى شكل جديد من أشكال الامتيازات، بحيث تستفيد منها الفئات نفسها التي كانت تحتكر فرص الاستغلال في ظل النظام السابق.
ماذا ينتظر المغاربة في المرحلة المقبلة؟
حتى الآن، يتعلق الأمر بتوجه حكومي معلن لإصلاح منظومة الرخص والامتيازات الاقتصادية، وليس بإلغاء شامل وفوري لجميع «الكريمات» أو بدخول قانون جديد حيز التنفيذ.
وتبقى الأنظار متجهة إلى الخطوات التشريعية المقبلة، لمعرفة طبيعة القانون الإطار المرتقب، والقطاعات التي سيشملها، ومصير الرخص الحالية، والشروط التي ستحددها دفاتر التحملات الجديدة.
وبالنسبة إلى المغاربة، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في تغيير تسمية نظام الرخص، وإنما في إرساء قواعد اقتصادية عادلة تتيح فرص الاستثمار أمام الجميع، وتضع حداً لأي امتياز لا يستند إلى معايير واضحة وشفافة.
فهل يكون إصلاح نظام «الكريمات» بداية فعلية لنهاية الاقتصاد الريعي في المغرب، أم أن التحدي الأكبر سيظل في ضمان التطبيق والمحاسبة؟



