من آلاف العمال الذين ينتظرون استكمال إجراءات السفر إلى الأرقام القياسية للتوظيف الموسمي للمغاربة.. هل تستطيع الإدارة الإسبانية مواكبة حاجيات سوق العمل؟
تواجه إسبانيا مفارقة متزايدة في سوق العمل: شركات تبحث عن عمال لسد الخصاص في عدد من القطاعات، ومهنيون في بلدانهم الأصلية حصلوا على عقود عمل، لكنهم يضطرون إلى الانتظار أشهراً قبل استكمال الإجراءات التي تسمح لهم بالقدوم وبدء العمل.
وتعيد هذه المشكلة إلى الواجهة النقاش حول تعقيدات استقدام العمال من خارج الاتحاد الأوروبي، ومدى قدرة المساطر الإدارية على مواكبة احتياجات الشركات، خصوصاً في قطاعات البناء والنقل والصناعة والفندقة والزراعة.
آلاف العمال ينتظرون رغم حصولهم على عقود
سلط تقرير نشرته صحيفة «إل باييس» الإسبانية، في 29 أكتوبر 2026، الضوء على تجربة شركة «تالينتو غروبو إنترناسيونال»، التي تتخذ من مدينة لا كورونيا مقراً لها، وتعمل على ربط الشركات الإسبانية بالعمال المؤهلين في أمريكا اللاتينية.
وبحسب التقرير، جمعت الشركة أكثر من 3000 عامل بيروفي راغب في العمل بإسبانيا، من بينهم 2433 شخصاً لديهم عقود عمل، لكنهم لا يزالون ينتظرون استكمال الإجراءات اللازمة للسفر والالتحاق بوظائفهم.
ومن المنتظر أن يعمل هؤلاء لدى نحو 170 شركة في قطاعات تشمل البناء والصناعة والنقل والفندقة والصحة والتعدين والغابات.
وتقول الشركة إنها ساهمت في توفير أكثر من 3500 منصب عمل، لكنها تصطدم، بحسب مسؤوليها، ببطء الإجراءات الإدارية، التي قد تستغرق من ثلاثة أشهر إلى سنة كاملة، وفقاً لبلد العامل ومكان العمل في إسبانيا.
وتشمل المساطر معالجة ملفات لدى الجهات الحكومية المختصة بشؤون الأجانب، ثم استكمال الإجراءات القنصلية في بلد المنشأ. وفي الحالة البيروفية التي تناولها التقرير، قد يصل انتظار موعد قنصلي إلى خمسة أشهر.
ويرى مسؤولو الشركة أن هذا التأخير لا يضر بالعمال وحدهم، بل قد يؤدي أيضاً إلى خسارة الشركات لمشاريع أو فقدان مرشحين مؤهلين يقررون قبول فرص عمل في بلدان أخرى.
المغرب في صدارة التوظيف من بلدان الأصل
لا تقتصر أهمية هذه القضية على العمال القادمين من أمريكا اللاتينية، بل تهم المغرب بصورة مباشرة، بالنظر إلى مكانته في برامج التوظيف القانوني من بلدان الأصل التي تعتمدها إسبانيا.
فوفقاً لوزارة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة الإسبانية، استفاد 25,767 شخصاً من برامج التوظيف الجماعي من بلدان الأصل والهجرة الدائرية خلال سنة 2025، بزيادة تقارب 25 في المائة مقارنة بالسنة السابقة.
وشاركت في هذه البرامج 17 دولة، وكان المغرب بلد المنشأ الأول، إذ مثّل 81 في المائة من عمليات التوظيف المسجلة ضمن البرنامج. كما شكّلت النساء 92 في المائة من المشاركين، وكان النشاط الزراعي المجال الأساسي لهذه التعاقدات.
وتعكس هذه الأرقام الدور المهم الذي يؤديه المغرب في تلبية جزء من حاجيات سوق العمل الإسباني، ولا سيما في الأنشطة الموسمية التي تعتمد على استقدام مجموعات من العمال لفترات محددة.
لكن من الضروري التمييز بين هذه البرامج المنظمة، التي تتعلق أساساً بالهجرة الدائرية والعمل الموسمي، وبين التوظيف الفردي المستقر في قطاعات مثل النقل والصناعة والبناء. فلكل مسار إجراءاته وشروطه، ولا يمكن اعتبار الأرقام الخاصة بالبرنامج الموسمي مؤشراً مباشراً على عدد المغاربة الذين ينتظرون عقود عمل دائمة.
البيروقراطية.. حلقة قد تؤخر وصول العامل
تكشف تجربة العمال البيروفيين عن مشكلة تتجاوز مجرد العثور على وظيفة: فالعقد لا يمثل دائماً نهاية الطريق، بل قد يكون بداية سلسلة من الإجراءات الإدارية التي يجب استكمالها قبل السفر.
وتتداخل في هذه العملية جهات مختلفة، من بينها السلطات المختصة بمنح تراخيص الإقامة والعمل، ومكاتب شؤون الأجانب، والقنصليات الإسبانية في الخارج.
وقد يؤدي تعدد مراحل المعالجة إلى إطالة المدة الفاصلة بين اختيار المرشح وتوقيعه العقد وبين وصوله إلى مكان العمل، خصوصاً عندما تتراكم الملفات أو تتأخر المواعيد القنصلية.
وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، في تقريرها بشأن الاقتصاد الإسباني لعام 2025، إلى أن مسارات استقدام العمال من خارج الاتحاد الأوروبي تواجه أعباء إدارية، وأن نظام التوظيف الجماعي من بلدان الأصل لا يتسم دائماً بالمرونة الكافية لمواكبة حاجيات الشركات. كما دعت المنظمة إلى تبسيط إجراءات تأشيرات العمل، وتعزيز الموارد المتاحة لمكاتب الهجرة والقنصليات وتسريع معالجة الملفات.
وتكمن المشكلة العملية في أن احتياجات الشركات قد تكون عاجلة، بينما لا تتحرك الإجراءات الإدارية بالسرعة نفسها. وقد تجد مقاولة نفسها مضطرة إلى تأجيل مشروع أو البحث عن بديل، رغم وجود مرشح مناسب في الخارج.
هل يواجه المغاربة المشكلة نفسها؟
توجد معطيات تؤكد أهمية التوظيف من المغرب إلى إسبانيا، لكنها لا توفر، في حد ذاتها، رقماً دقيقاً لعدد المغاربة الذين لديهم عقود عمل فردية وينتظرون حالياً استكمال الإجراءات الإدارية في بلدهم.
ووفق بيانات وزارة الإدماج الإسبانية، بلغ عدد المغاربة المسجلين في الضمان الاجتماعي الإسباني 407,350 شخصاً في أغسطس 2026، ليكونوا أكبر مجموعة من حيث الجنسية بين العمال الأجانب المسجلين خلال ذلك الشهر.
ويعبّر هذا الرقم عن حجم الحضور المغربي في سوق العمل الإسباني، لكنه لا يمثل عدد العمال الذين استُقدموا حديثاً من المغرب، ولا عدد الطلبات العالقة في القنصليات أو مكاتب الهجرة.
وللحصول على صورة أدق عن الصعوبات التي يواجهها المغاربة الراغبون في الهجرة بعقود عمل، ينبغي التمييز بين ثلاثة مؤشرات: عدد تصاريح العمل الممنوحة لمواطنين مغاربة، وعدد الملفات التي لا تزال قيد المعالجة، ومتوسط المدة التي يستغرقها كل إجراء. ولا يجوز الخلط بين هذه الأرقام، لأنها تقيس مراحل مختلفة من مسار الهجرة المهنية.
الحاجة إلى العمال لا تعني أن المسار أصبح سهلاً
تؤكد حالة العمال البيروفيين أن وجود فرص عمل فعلية لا يضمن بالضرورة وصول أصحابها في الوقت المتوقع. كما تبين الأرقام الإسبانية أن التوظيف من بلدان الأصل أصبح مساراً مهماً لتلبية احتياجات قطاعات معينة، وأن المغرب يؤدي دوراً بارزاً في هذا المجال.
لكن معالجة المشكلة لا تتطلب فقط زيادة عدد العمال المستقدمين، بل تستدعي أيضاً تحسين التنسيق بين الجهات الإدارية، وتوضيح مراحل معالجة الملفات، وتوفير معلومات أكثر شفافية بشأن الآجال المتوقعة، وتعزيز الموارد البشرية والتقنية للمكاتب والقنصليات المعنية.
ومن شأن تقليص التأخيرات أن يساعد الشركات على التخطيط بشكل أفضل، وأن يمنح العمال قدراً أكبر من اليقين بشأن مستقبلهم المهني، مع الحفاظ على الضمانات القانونية وحقوق العاملين.
وبالنسبة إلى المغاربة الراغبين في العمل بإسبانيا، تبقى الرسالة الأساسية واضحة: فرص التوظيف من الخارج موجودة، والمغرب شريك رئيسي في بعض برامجها، لكن الحصول على عقد عمل لا يلغي ضرورة استكمال الإجراءات القانونية، كما أن المدة الفعلية للانتقال قد تختلف بحسب نوع العقد والملف والجهة المختصة.



