من التعاون الأمني ومراقبة الهجرة إلى مشاريع تحلية المياه والنقل والمساعدات التنموية، تكشف أرقام نشرتها صحيفة إسبانية عن حجم التمويلات العامة التي التزمت بها مدريد لصالح المغرب منذ عام 2018، وتعيد فتح النقاش بشأن أهداف هذه التمويلات وشروطها وسبل مراقبتها.
أعاد تقرير نشره موقع «Moncloa» الإسباني، يوم 24 أكتوبر 2026، تسليط الضوء على العلاقات المالية بين إسبانيا والمغرب، مشيراً إلى أن الحكومة الإسبانية التزمت بتخصيص أكثر من 1.260 مليار يورو لتمويل مشاريع وبرامج في المملكة المغربية منذ وصول بيدرو سانشيز إلى رئاسة الحكومة عام 2018.
وبحسب التقرير، تشمل هذه التمويلات مجالات متعددة، من بينها التعاون الأمني ومكافحة الهجرة غير النظامية، وتطوير البنية التحتية، ومشاريع المياه والنقل، إضافة إلى المساعدات التنموية.
ولا يتعلق الأمر، وفق المعطيات المنشورة، بمبلغ واحد جرى تحويله مباشرة إلى الحكومة المغربية، بل بمجموعة من العمليات المالية التي تضم قروضاً وتمويلات عامة ومنحاً ومساعدات، تختلف طبيعتها وشروطها والجهات المستفيدة منها.
أكثر من 1.260 مليار يورو منذ عام 2018
يربط التقرير حجم هذه التمويلات بالمرحلة الجديدة التي دخلتها العلاقات الإسبانية المغربية منذ عام 2018، والتي شهدت توسعاً في التعاون الاقتصادي والأمني بين البلدين.
ويشير إلى أن جزءاً مهماً من الأموال يمر عبر آليات التمويل العمومي الإسبانية، بما فيها صندوق تدويل الشركات الإسبانية (FIEM)، إلى جانب برامج التعاون التنموي ومبادرات التعاون الأمني.
وتجدر الإشارة إلى أن الرقم الإجمالي المذكور يمثل قيمة التمويلات التي يقول التقرير إن إسبانيا التزمت بها، ولا يعني بالضرورة أن المبلغ كله صُرف نقداً أو قُدّم في شكل مساعدات غير مستردة.
فالقروض تُمنح وفق شروط مالية محددة، وقد ترتبط بإنجاز مشاريع معينة أو بشراء منتجات وخدمات من شركات إسبانية، بينما تخضع المنح والمساعدات لقواعد مختلفة.
التعاون الأمني ومراقبة الهجرة.. 60 مليون يورو
يخصص التقرير حيزاً مهماً للتمويلات المرتبطة بالتعاون الأمني ومراقبة الهجرة غير النظامية.
وبحسب «Moncloa»، بلغت التحويلات التي يشير إليها التقرير 60 مليون يورو، موزعة على دفعتين، بهدف دعم جهود مكافحة الهجرة غير النظامية وتعزيز التعاون بين الأجهزة الأمنية في البلدين.
ويذكر التقرير أيضاً تخصيص أكثر من 45 مليون يورو لبرامج اقتناء معدات وتجهيزات أمنية، تشمل مركبات ميدانية وطائرات مسيّرة وسيارات إسعاف وأجهزة مراقبة حرارية، من خلال برامج تشرف عليها جهات ومؤسسات عامة إسبانية.
ويأتي هذا التعاون في سياق الأهمية التي تحتلها قضايا الحدود والهجرة في العلاقات بين مدريد والرباط، خصوصاً فيما يتعلق بمحيط سبتة ومليلية والسواحل الأطلسية.
وفي المقابل، يثير هذا النوع من التمويل نقاشاً سياسياً بشأن مدى فعاليته، وسبل مراقبة استخدام الأموال العامة، ومدى ارتباط الدعم المقدم بتحقيق أهداف محددة في مجال تدبير الهجرة.
تحلية مياه الدار البيضاء وتوسيع شبكة الترامواي
لا تقتصر التمويلات على الجانب الأمني، إذ يشير التقرير إلى تخصيص مبالغ مهمة لمشاريع البنية التحتية والخدمات الأساسية في المغرب.
ومن أبرز المشاريع التي أوردها:
- 250 مليون يورو لتمويل مشروع محطة تحلية مياه البحر في الدار البيضاء.
- 190 مليون يورو لتوسيع شبكة الترامواي في المدينة نفسها، وفق الأرقام الواردة في التقرير.
- خطوط تمويل أخرى موجهة إلى مشاريع البنية التحتية والتعاون الاقتصادي، عبر آليات التمويل العمومي الإسبانية.
وتكتسب مشاريع تحلية المياه أهمية خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالجفاف والضغط المتزايد على الموارد المائية في المغرب، بينما يندرج تطوير النقل الحضري ضمن احتياجات المدن الكبرى وتوسعها العمراني.
كما أن تمويل هذه المشاريع يمكن أن يتيح فرصاً للشركات الإسبانية العاملة في قطاعات الهندسة والبناء والتجهيزات والنقل، وهو ما يجعل التعاون المالي مرتبطاً أيضاً بالمصالح الاقتصادية والتجارية للطرفين.
ما دور الشركات الإسبانية في هذه التمويلات؟
يشير التقرير إلى أن صندوق تدويل الشركات الإسبانية (FIEM) يمثل إحدى الأدوات الأساسية لدعم المشاريع التي تشارك فيها الشركات الإسبانية في الأسواق الخارجية، بما فيها السوق المغربية.
وتهدف هذه الآلية إلى تعزيز القدرة التنافسية للشركات الإسبانية ومساعدتها على الحصول على عقود دولية، مع توفير تمويل للمشاريع وفق الشروط المعتمدة لكل عملية.
ومن هذا المنطلق، لا ينبغي النظر إلى جميع التمويلات الموجهة إلى المغرب باعتبارها مساعدات مالية مجانية؛ إذ قد تكون بعض العمليات قروضاً مرتبطة بمشاريع محددة، تستفيد منها مؤسسات مغربية وشركات إسبانية في الوقت نفسه.
ويعني ذلك أن تقييم الأثر الاقتصادي لهذه الأموال يتطلب معرفة قيمة كل قرض، وشروط سداده، والجهات التي تنفذ المشاريع، وحجم العقود التي تحصل عليها الشركات الإسبانية.
أكثر من 205 ملايين يورو للمساعدات التنموية
يتناول التقرير أيضاً المساعدات الرسمية للتنمية التي تديرها الوكالة الإسبانية للتعاون الدولي من أجل التنمية (AECID)، إلى جانب مؤسسات ومنظمات أخرى.
وبحسب الأرقام المنشورة، بلغت قيمة هذه المساعدات 205.8 ملايين يورو خلال الفترة الممتدة من 2019 إلى 2023.
ويشير التقرير إلى أن هذه البرامج شملت مجالات متعددة، من بينها دعم إصلاح النظام القضائي، وتطوير بعض المؤسسات، وتعزيز فرص العمل للنساء في المناطق القروية، فضلاً عن مبادرات مرتبطة بالتنمية والسياحة.
كما أورد تخصيص 475 ألف يورو لمبادرة مرتبطة بالسياحة الشاملة في المغرب.
وتختلف هذه المساعدات عن القروض، إذ إن المنح التنموية لا تُسترد عادةً بالطريقة نفسها التي تُسدّد بها القروض، وتخضع لشروط وأهداف خاصة بكل برنامج.
ومن المهم كذلك التمييز بين المبلغ الإجمالي للمساعدات التنموية وبين التمويلات المخصصة للبنية التحتية أو التعاون الأمني، لأن اختلاف الآليات المالية قد يؤدي إلى التباس عند مقارنة الأرقام أو جمعها.
جدل سياسي بشأن الشفافية وشروط التمويل
إلى جانب عرض الأرقام، أثار التقرير تساؤلات بشأن الشفافية وشروط التمويل والرقابة على استخدام المال العام الإسباني.
وتتمحور بعض الانتقادات التي ينقلها حول ضرورة توضيح المعايير التي تستند إليها الحكومة في اختيار المشاريع، ومدى ارتباط التمويلات بتحقيق نتائج قابلة للقياس، وآليات التحقق من وصول الأموال إلى الأهداف المحددة لها.
ويرى منتقدو هذه السياسة أن التمويل العمومي الموجه إلى الخارج ينبغي أن يخضع لرقابة واضحة، وأن تكون نتائجه قابلة للتقييم، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقروض كبيرة أو برامج ترتبط بالتعاون الأمني.
في المقابل، يمكن للحكومة الإسبانية ومؤيدي التعاون مع المغرب الدفاع عن هذه السياسة باعتبارها جزءاً من شراكة استراتيجية تشمل الأمن والتجارة والاستثمار والتنمية، فضلاً عن المصالح الاقتصادية التي قد تحققها الشركات الإسبانية من المشاركة في المشاريع.
لكن تقييم هذه المواقف يتطلب الرجوع إلى الوثائق الرسمية لكل عملية تمويل، بما في ذلك شروط القروض، والجهات المستفيدة، والنتائج المحققة، بدلاً من الاكتفاء بالتقديرات أو المواقف السياسية العامة.
ماذا تعني هذه الأرقام بالنسبة إلى العلاقات المغربية الإسبانية؟
تعكس التمويلات التي يتناولها التقرير تعدد مجالات التعاون بين البلدين، من تدبير الهجرة إلى الأمن والمياه والنقل والتنمية الاقتصادية.
كما تكشف عن تداخل المصالح السياسية والاقتصادية، إذ لا ترتبط جميع الأموال بهدف واحد، ولا تستفيد منها الجهات نفسها، ولا تخضع بالضرورة للشروط المالية ذاتها.
ومع ذلك، فإن الرقم الإجمالي البالغ 1.260 مليار يورو يحتاج إلى قراءة دقيقة، خصوصاً عند مقارنة القروض بالمنح أو جمع التمويلات التي أُعلن عنها في مراحل مختلفة. كما ينبغي التأكد من عدم احتساب العملية نفسها أكثر من مرة، ومن التمييز بين المبالغ المعلنة والمبالغ المصروفة فعلياً.
في المحصلة، لا يقتصر النقاش على حجم الأموال التي التزمت إسبانيا بتمويلها في المغرب، بل يشمل أيضاً طبيعة هذه التمويلات، والجهات التي تستفيد منها، ومدى انعكاسها على التنمية والتعاون الاقتصادي، وحق المواطنين في معرفة كيفية استخدام المال العام.
المصدر الأساسي: تقرير نشره موقع Moncloa الإسباني بتاريخ 24 أكتوبر 2026، بعنوان «إسبانيا تلتزم بأكثر من 1.260 مليار يورو في المغرب في عهد حكومة سانشيز». الأرقام الواردة في المقال منسوبة إلى التقرير، ولا تمثل جميعها بالضرورة منحاً مباشرة أو مبالغ صُرفت بالكامل.



